السبت، 28 أكتوبر 2017

يوم في حياة كاتبة متفرغة

يوم في حياة كاتبة متفرغة

لورين بيري

في المقاطعة الشاسعة سالفة الذكر وهي جزء مما يعرف بأنكوتس، تقوم مصانع مانشستر الكبرى على ضفاف القنوات، فثمة بنايات عملاقة من ستة طوابق أو سبعة تطل بمداخنها العالية النحيلة على أكواخ العمال الواطئة. ومن ثم يتألف سكان المقاطعة في المقام الأول من عمال المصانع، ومن عمال النسيج في أسوأ الشوارع"
فريدريك إنجلز "أوضاع الطبقة العاملة في إنجلترا".

شائع بين المجلات الأدبية أن تحاور مشاهير الكتاب، في مرحلة ما، فتوجه لهم سؤالا عن عملية الكتابة عندهم، وعن يومهم كيف يمرُّ عليهم.
حينما كنت أصغر سنا، في الأيام التي كنت أتوق فيها إلى أن أطلق على نفسي وصف "الكاتبة" وأنا مدركة تماما أنني لم أحقق لنفسي السلطة الكتابية الكافية لأرتدي معطف الكاتب، أتذكر أنني قرأت حوارا مع "جراهام جرين"، أوضح فيه كيف استطاع أن ينتج رواية كل عام: قال لمحاوره إنه ألزم نفسه بكتابة 500 كلمة كل يوم، لا تزيد ولا تنقص، وأن ذلك كفيل على مدار عام بإنتاج رواية.
في الوقت نفسه تقريبا، كنت أكافح لكي أكون كاتبة، وهو الطموح الذي تلقى لطمة مباشرة عندما تعرضت للتحرش الجنسي من الأستاذ الذي كان يدرِّس لي الكتابة، برغم أنني فكرت في ذلك الوقت أنني المخطئة، وساقني الخيال إلى الظن بأنه إن حققت لي الحياة طموحاتي في يوم من الأيام فسوف أعيش في كوخ على البحر، وسوف أعيش فقط من الكتابة.
بعد ثلاثين عاما من ذلك الحلم الخيالي، أعيش بالفعل في كوخ على بعد ثلاثمئة ياردة من المحيط الأطلنطي، وعلى مقربة من شاطئ لا يعرف بأمره السياح، وأعول نفسي من الكتابة. فمن جانب من الجوانب، أعرف أنني أعيش حلما، ولئن استخدمت لغة أيامنا هذه لقلت إنني "ممتنة" للمسار الذي سلكته بي الحياة.
طيب لماذا كنت أبكي في وقت سابق من الأسبوع الحالي وكأنني صحوت لأجد نفسي ويلي لومان [بطل مسرحية "وفاة بائع متجول" لآرثر ميلر] وقد أبلاه دوام الكفاح؟
لو كان شخص سألني عن طريقتي في الكتابة، لما جاء في إجابتي أي شبه بجراهام جرين. أستيقظ في أغلب الأيام بين الرابعة والخامسة صباحا. وأعتبر ساعتيّ الأوليين وقتا لقراءة الأخبار، وتصفح الإنترنت، والبحث عن أشياء جديدة أكتب عنها. وبحسب مساحة الوقت المُجَدْوَلَة في يومي، قد أبدأ العمل على مقالتي الأولى في الخامسة صباحا بهدف الانتهاء من كتابة وتحرير وإرسال الـ 800 إلى 1200 كلمة المعيارية المعتمدة في أغلب محتوى الإنترنت بحلول الساعة التاسعة.
بعد أن أزيح المقالة الأولى من طريقي، قد أقضي ساعة أو اثنتين في تفقد منصات الإنترنت العديدة التي يطلب من خلالها المحررون المواد، وإذا كانت لدي فكرة لكتابة شيء ما أراه ملائما، أستعد وأرسل الاقتراح. كما أبعث اقتراحات لمحررين سبق أن عملت معهم لأرى إن كان بوسعي أن أبيع لهم أي أفكار أو أخبار جديدة خطرت لي. أجهز كذلك اقتراحات لإصدارات مستقبلية. وبما أنني أكتب عروض الكتب، فإنني أتلقى الطبعات الأولية قبل صدور الكتب بشهور. وإذا كنت أحاول الحصول على اتفاق لاستعراض كتاب معين، فهذا يعني الاتصال بمحرر في مجلة ورقية قبل شهور عديدة. والمجلات تختلف في العمل وفقا لتقويمات تحريرية مختلفة، لذلك أضبط اقتراحاتي بحسب الشهر الذي يتلقى فيه كل محرر الاقتراحات.
في أثناء اليوم، أقرأ أيضا: مواد بحثية، وطبعات أولية من كتب، وأتابع أخباري الصحفية عبر الإنترنت والأحداث الجارية، وأي مادة قد أكون بحاجة إلى معرفتها بهدف صياغة أفكاري.
أحيانا أجلس أمام اللابتوب في الرابعة صباحا، فلا أقوم إلا إلى الحمام أو المطبخ لإعداد القهوة حتى منتصف الظهيرة. لا أتذكر آخر مرة لم يستبدل فيها بالإفطار أو الغداء أي بديل من بدائل الوجبات كالبسكويت أو الجبن والمقرمشات. في العشاء أتناول وجبة لائقة، أما في أثناء يوم العمل، فلا يتوافر وقت لطعام صحي.
دافعي في أثناء يومي هو الذعر. عليَّ أن أتحرك بسرعة، وأن أعثر على أفكار في كل يوم من أيام العمل، وأقدمها، وأتلقى تأكيدات عليها، لأكون على يقين من أن لديّ دائما عملا.
لقد أوجد الإنترنت احتياجا هائلا وصارخا إلى المحتوى. ففي أي يوم تقدم بعض المواقع ما يكافئ محتوى مجلة يومية. وهذه المواقع تعتمد على الكتاب المتفرغين في إمدادها بالمقالات.
لكن في مقابل كل 800 إلى 1200 كلمة أكتبها لعملائي المعتادين، فإن المقابل المألوف الذي أتلقاه يتراوح بين 100 و150 دولار عن كل مقالة (أي ما بين 8 إلى 19 سنتا للكلمة). أعرف أنني محظوظة لقدرتي على الاستمرار في تأمين مهام كتابية تدفع هذا المقابل. وأعرف من خلال مشاهدة المنصات أن كثيرا من المواقع تدفع ما بين 25 و50 دولارا لعدد الكلمات نفسه. وبرغم فداحة الصدمة من هذا الأجر، فإن كتابا كثيرين يتنافسون على هذه الفرص.
سبب سرعتي في العمل بسيط. ففي سني هذه، وفي ظل وجود قسط سيارة، وإيجار، وتأمين، وفواتير خدمات، ونفقات الحياة اليومية، أحتاج إلى كتابة 30 مقالة في الشهر لمجرد الوصول إلى حد التعادل بين الدخل والإنفاق. وهذا يغطي نفقاتي، لكنه لا يكفي لأي شيء إضافي، كالعشاء خارج البيت، أو الثياب، أو أي شيء مما لا يمثل ضرورة. وما يخلصني من الحاجة إلى كتابة 30 مقالة في الشهر هو تلك التكليفات الذهبية التي تدفع ثلاثة أو أربعة أمثال أجور المقالات العادية. لو توافر لي واحد من هذه في الأسبوع، فإنه يسهم في تخفيف بعض الضغط المستمر.
لكن السبب الذي جعلني أبكي في مطلع هذا الأسبوع هو إحساس لا يتبدد مطلقا. إحساس بأنني خط تجميع كتابي. تدخل الأفكار من ناحية، يعالجها مخي، أكتبها بسرعة في دفتري، ثم أعمل عليها بأسرع ما أستطيع لكنني ألعب طول الوقت تحت ضغط الزمن. فالتحرير يحدث في أثناء طباعة المقال على الكمبيوتر ثم يبعث إلى المحرر.
أبكي لأنني أشعر أنني عاملة في خط تجميع تكافح في الإنتاج تحت عين ساعة تديرها الرأسمالية الصناعية. صحيح أن النثر الذي أنتجه قابل للاستعمال، لكنه لا يلبي معايير الفنانة التي بداخلي.
الكاتبة التي بداخلي درست التاريخ في الجامعة. ففي كل يوم أصادف، بداخل رأسي، شبكات تربط الأحداث الجارية حولنا في كل مكان بأشياء وقعت في الماضي. أقرأ رواية أو مجموعة مقالات بهدف استعراض الكتاب، فأجد أمامي ذيل فكرة يختفي. أدوِّن هذه الأفكار بسرعة. هذه المصادفات. أو الأصداء. أو الأنماط. وأحيانا، أجد ما يذكرني بأساطيري. أحيانا أتذكر أطروحتي عن البلاغة التي كان يستعملها الوعاظ الفرانسيسكان ضد السحر في ما يعرف بفترة كواتريشنتو في إيطاليا [وتمتد من 1400 إلى 1499م] . في أثناء دراستي للماجستير، قضيت وقتا أطول مما قضاه أي شخص في البحث عن الدعائم العنصرية والجنسية للفاشية في أوربا في النصف الأول من القرن العشرين. كما أن لديَّ دراية كبيرة بالفلسفة السياسية الأوربية في القرن التاسع عشر، ومن ثم فما يجري في بلدنا الآن يجعلني راغبة في الجلوس من أجل كتابة عميقة مطولة عن الأيديولوجيات المنذرة بفاشية أمريكية جديدة.
أتخيل أن يتوافر لي من الوقت ما يعينني على الجلوس لكتابة مقالة تتأمل الأفكار العديدة، مقالة تتيح لعقلي أن يلعب، وتتيح لي أيضا إحساس الفنانة، إذ تعمل في اللغة إنتاجا لشيء جديد. أو ما هو أكثر، أن يتوافر لي من الوقت ما أؤلف فيه كتابا يساعد في تفسير ما للسلطة السياسية من تأثير على حياة الناس الشخصية منذ عصر النهضة.
وأعرف أن هذا ممكن. فأنا أرى مثل هذه المقالات مجموعة في كتب تصدر عن مطابع صغيرة، أو أقرؤها في الإصدارات الأدبية المفضلة أو إصدارات الفكر السياسي. أتخيل الوقت اللازم من أجل صنع عمل فني. أفكر في مخطوطة الرواية القابعة في الدرج، والتي لن أمنحها قيمة أسبوعين من العمل بدون أن أقلق على عملي في خط التجميع.
لو أمكنني ادخار بعض المال، فلعلي أستطيع اقتطاع بعض الوقت، لكن الحقيقة أنني أعيش على مقربة شديدة من الحافة، بحيث يستحيل ادخار المال.
إنها لمفارقة حقيقية أن أكون حققت حلم التفرغ للكتابة والعيش منها. أعرف كما أنا سعيدة الحظ، وأن كثيرين يسعدهم أن يستبدلوا حياتي بحياتهم.
لكن أهو خطأ شديد الجسامة أن أتوق إلى إبداع شيء جميل، وإلى أن أشعر أن حصلت على أجر في مقابل أن أكتب أفضل ما يمكنني أن أكتبه؟
بكيت هذا الأسبوع لأن محررة أحب فعلا العمل معها ردَّت لي مقالة بعثتها إليها. بدلا من تحريرها، أعربت عن قلقها من أنني توصلت إلى "فكرة براقة"، لكنني ضيعت المقالة الفعلية في محاولة قسر الكتابين اللذين كنت أستعرضهما بحيث يتواءمان مع الفكرة التي خطرت لي. اكتشفت أنني كنت أبدع عملا إضافيا لنفسي. بدت لها المقالة "متعجلة".
شعرت أني تعرَّيت. شعرت أن أحدا ضبطني متلبسة بالتعجل في عمل الواجب المدرسي، وليس ذلك لأنني ظللت أؤجل العمل فلم أترك لنفسي فسحة من الوقت، بل لأنني خصَّصت جزءا كبيرا من وقت خط التجميع لإقحام الفكرة على المقالة. لأنني كنت في حالة الذعر البسيطة التي تمثل القوة الدافعة لأيام تفرغي للكتابة، تساءلت إن كانت تلك هي كرة جليد الأولى ويليها سيل من المحررين يقولون إن عملي لم يعد صالحا للنشر.
أعد هذه القائمة بأهداف اليوم. بند مهم للغاية سوف يتمثل في إنهاء اي مقالة معينة أعرف أنها بحاجة إلى مغادرة بيتي. في بعض الأحيان سوف أخطر إصدارات معينة أعتقد أن فكرة معينة تلائمها. بحسب ما أجد في بريدي الإلكتروني، سوف أقضي بعض الوقت في الكتابة للعديد من مروجي الكتب لضمان الحصول على نسخة مبكرة من كتاب يبدو لي جيدا. أستعرض الأخبار بحثا عن أحداث سياسية أو فعاليات ثقافية يمكن أن أكتب عنها، لا سيما لو أن الموضوع يتماس مع مجموعة المواضيع التي لي خبرة حقيقية فيها ناتجة عن بحثي أثناء الدراسة الجامعية، أو سنوات القراءة، أو حتى التجربة الشخصية.
في أثناء وقت القراءة الصباحي، أقرأ أيضا النقد الثقافي الذي يكتبه الكتاب المفضلون لديّ. لا أحسدهم مطلقا على سطور التعريف بهم أو على الاهتمام الذي يلقاه عملهم. بل أحب أن ينتح كاتب أحبه عملا آخر أقرؤه أنا وأكتنزه، وربما أتعلم منه، وربما يروق لي أسلوب تناوله مواضيع دقيقة.
أعرف أن أغلب الكتاب محبوسون في الساعة الرملية التي أجد نفسي حبيسة فيها. ولعل كتابا آخرين مثلي يعملون على خط إنتاج المحتوى وهم يتساءلون متى سيتاح لهم الوقت للعمل على ما يشبه الفن، ولكن أغلب أصدقائي الكتاب يدعمون كتابتهم بالتدريس في الجامعة. ولي أكثر من زميل سابق يقولون لي إنهم وسط التحضير للدروس، ومقابلة الطلبة، وتصحيح أوراقهم، والعمل البيروقراطي المعتاد في الجامعة، لا يجدون الوقت للكتابة أو القراءة. وأعرف أن الصيف لديهم يصبح عزيزا، وإن كانت أغلب أيامه قد تنقضي في التزامات أخرى.
مرة أخرى، تبدو الكتابة مكدسة في وجه كاتب الساعة الرملية. وبدون عوائد ثروة خاصة تدعم الكاتب، كيف له أن يكتب، وكيف يمكن إنتاج الفن؟
من أفضل الأوقات الممتعة في يومي وقت هو من أكثرها اضطرابا. في أيام كثيرة لا يمكنني حسبانها، أبدأ الكتابة والبحث قبل الفجر، وأبقى في حالة تركيز ويقظة إلى أن أدرك أن الوقت تجاوز الظهيرة. ولأن لديَّ التزامات تجاه أمي الأرملة، فإنني نادرا ما أستطيع العمل بعد الخامسة عصرا. اثنتا عشرة ساعة تختفي في ملاحقة الأفكار والبحث عن سبل لكسب المال.
أعمل في العطلات الأسبوعية، برغم أنني أحاول الحد من ساعات العمل فيها إلى أربع أو خمس ساعات في اليوم. على مدار الأسابيع العديدة الماضية، كنت أستيقظ مرتين أو ثلاثا في جنح كل ليلة، وفي بعض الأحيان لم أكن أملك مقاومة الدافع إلى النهوض من السرير للعمل في الواحدة أو الثانية صباحا. أفكر لو أنني أستطيع العيش في ظل عدم النوم إلا لساعتين بالليل وكيف أن ذلك قد يوفر لي ساعات أكثر أمارس فيها وجودي كفنانة لا كمجرد آلة إنتاج محتوى في خط تجميع.
في خط التجميع، حيث أتناول الكتب التي قرأتها، والأفكار التي خطرت لي، والبحث الذي توافر لي الوقت للقيام به، وأضعها جميعا معا من أجل إنتاج ألف كلمة تغذي الآلة، وأخشى أنني لم أحسن التجميع. هل دعمت تأكيداتي بمعلومات موثقة؟ ماذا لو أتيت بالحجة لكنني أسأت فهمها؟ فارق كبير بين أن تقول كلاما غبيا في جلسة خاصة، وبين التبعات الكبيرة لنشر شيء خاطئ قد يعني فقدان عمل في المستقبل. ولكن أيضا منذا الذي يريد أن يتحمل مسؤولية إضافة ملء ملعقة صغيرة من السم إلى بحر المعلومات المغلوطة الشاسع؟
في الوقت نفسه، من إيجابيات الكتابة على الساعة أنني لا أجد وقتا للشك. لا أقول بذلك إنني أخترع معلومات. بل أقول إني أصبحت أكثر ارتياحا لتأكيد سلطتي في التأويل أو النقد أو إطلاق تأكيدات في ما يتعلق بالثقافة أو السياسة. وبدلا من إنفاق ساعات في البحث عن خبير تلو خبير، وكتاب تلو كتاب، لدعم كلماتي، أثق أن بنية المقالة أو النص، أو استعمال الصيغة المختصرة في الإشارة إلى اسم أو نظرية، سوف يكفي لدعم حجتي. فليس لدى طغيان الساعة وقت لكي أعيد التحقق من بحثي المرة تلو الأخرى، بل عليَّ أن أحسن اختيار كلماتي ومصادري بما يؤكد على سلطتي.
*
يسرد تاريخ أسرتي قوائم عمال من الرجال والنساء، فبعضهم أصحاب مهارة، وبعضهم ليس كذلك. قليل منهم هم الذين عملوا في وظائف كانت تستهلك فترات طويلة من التدرب تليها عضوية في المهنة.
في سجلات التعداد الإنجليزية، أمكنني أن أتعقب أسرتي حتى القرن السابع عشر، فأهل أبي مدرجون فيها. أغلبهم ولد وعاش ومات في المنطقة الصغيرة المحيطة بمانشتسر أو الكائنة فيها. كدحوا طوال حياتهم عمال مطابع، وعمال لحام، وخراطين، وعمال أسفلت، وعمال غزل، وعمل مناجم كثيرين، وخادمة، وغسالة. في عام 1841، سجل ليفي تروتسكي نفسه "تاجر بطاطس" برغم أنه أصبح بعد عشر سنين "عامل قطن" ويفترض أنه عمل في أحد محالج القطن الكثيرة في لانكشير. أهل أمي عملوا في وظائف مماثلة بالقرب من باري بلانكشير، وكان زوج أم جدتي محصل تذاكر في القطارات منذ أن كانت تجرها الخيول إلى أن باتت تتحرك بالمحركات البخارية.
بحلول القرن العشرين، كانت أسرتي تعمل في صناعة القطن أو مصانع تصنيع الطائرات. عندما ذهب جدي إلى شمال أفريقيا سنة 1940 لمحاربة الجنرال إرفين روميل، بقيت جدتي وحيدة تواصل عمله في خط طائرات فاري، وهي الوظيفة التي تركها جدي ليخدم في الجيش البريطاني.
أبي وإخوته جميعا دخلوا الكلية ليصبحوا مهندسين. وأبي بصفة خاصة حصل على شهادة في الهندسة التصنيعية بما أتاح له  أن يحول القوة ويردها إلى أيدي الرجال والنساء المشغلين للآلات.
كنت أفكر في أبي ووقت معالجة المعلومات، أي الوقت اللازم لتحويل الخامات عبر تمريرها بعملية التصنيع بحيث تخرج من الناحية الأخرى سلعا منتهية، بينما أحاول تحديد الوقت الذي أستغرقه لـ"إنتاج" مادة.
في السنة الماضية، حصلت على وظيفة صار لي من خلالها نوبة عمل في موقع إنترنت يطلق مواد جديدة كل يوم. اتضح أنني أفتقر إلى مهارات العمل هناك. ففي نوبة مدتها ثماني ساعات، كان منتظرا مني أن أعثر على مادة محترمة، وأبحث في التغطية العاجلة لها، وأكتب مقالة يتراوح طولها بين 600 و1000 كلمة، تتضمن الشكل الملائم بجميع الروابط، وعملية العثور على الصور ومعالجتها ببرنامج فوتوشوب. ابتداء من لحظة البحث وحتى لحظة الإطلاق فترة لا ينبغي أن تتجاوز ساعتين، ومن ثم فالمطلوب مني أن أطلق أربع مواد في نوبة العمل الواحدة.
كنت أستاء للغاية عندما كنت أنهمك في البحث عن المواد البحث وأتأكد من كل معلومة جديدة أكتبها، فنادرا ما كنت أستطيع كتابة أربعة أخبار في نوبة، ولذلك خسرت الوظيفة ولعل شخصا أسرع في العمل مني قد حلَّ بديلا لي. كان يفترض أن يكون الغرض من الكتابة هو محاولة إشباع جوع الشبكة اللانهائي إلى المحتوى. ولكن إحساسي بأنني أنتج لغوا وهراء كان يصيبني بالكآبة في نهاية كل يوم عمل.
في اليوم الذي فصلت فيه ـ وهي المرة الوحيدة في حياتي التي خسرت فيها وظيفة بسبب أدائي ـ تحطم جزء من إحساسي بذاتي، ولكن الكاتبة التي داخلي شعرت أن المحرر أسدى لي معروفا. أنقذني من وظيفة كانت تحرمني من النوم بالليل.
من أحب الأحاسيس إلى قلبي إحساس الانغماس في الكتابة، في مطاردة فكرة حتى اقتناصها بحيث يراها الآخرون على الورق. لذلك يجب أن يفهم أنني لا أشكو من إنفاقي أيامي في الكتابة عن الأفكار. لكن صحيح أيضا أنني واقفة على خط تجميع لمحتوى الإنترنت حيث تقاس جدارتي بقدرتي على تناول خامات الأفكار ـ من البحث والأحداث الجارية والكتب الجديدة والثقافة ـ ومن خلال عملية التصنيع أحيل كلا من هذه الخامات إلى مقالات مكتملة من ألف كلمة. مقالة على الأقل كل يوم.
أفضل صيد للكاتب المتفرغ هو المجلات المطبوعة ذات الورق المصقول والإعلانات الكثيرة والتي تدفع ما بين دولار ودولارين في الكلمة. ولكن الأمر الواضح هو أنه بسبب صدور هذه المجلات مرة واحدة كل شهر، فإن التنافس بين الكتاب المتفرغين المتاحين على فرص النشر فيها ضار إلى أبعد الحدود. ولا أقول بهذا إن الحصول على تكليف بالكتابة فيها مستحيل ولكنه في مثل صعوبة حصول كاتبة قصة لم تنشر من قبل على فرصة لنشر قصتها القصيرة في ذي نيويوركر، ولذلك فإن ضمان العمل الثابت في المجلات المطبوعة يقتضي استراتيجيات مختلفة.
وهذا يرجع بي إلى البداية الأولى، إلى حلم التفرغ للكتابة. حينما كنت أغرق في أحلام حياة الكاتبة المتفرغة، لم تكن تلك الأحلام تتعلق بأن أعيش من كتابة محتوى للإنترنت. (واضح أنني كبيرة بدرجة كافية لأن أكون أقدم من وجود الإنترنت). كان الحلم يتعلق بكتابة 500 كلمة في اليوم تصبح رواية كل عام.
خوفي الأكبر هو أن أموت قبل أن أنهي ما أحلم به من مشاريع. في الوقت نفسه، أكتب هذا ونحن في صباح السبت، [يوم الإجازة الأسبوعي]. وأمامي كومة من طبعات الكتب الأولى تنتظر أن أقرأها. إبريق قهوتي الثاني انتهي امتلاؤه. والإحساس بأنني لم أصبح بعد الكاتبة التي أريد أن أكونها جاثم في خلفية عقلي. أنحيه جانبا. فهناك عمل.

نشرت الكاتبة مقالاتها في جارديان، وصالون، ودياجرام، ومجلات أخرى. تدير مع شريك لها موقع amberSands.net  على الإنترنت. وهذه المقالة نشرت في موقع ليت هاب، بينما نشرت ترجمتها في جريدة عمان

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق