الأربعاء، 7 يونيو 2017

ما تفعله ومن تكونه

ما تفعله ومن تكونه
توني موريسون



كل ما كان عليَّ أن أفعله في مقابل الدولارين هو أن أنظف منزلها لبضع سويعات بعد المدرسة. وكان المنزل جميلا أيضا، فيه أريكة ومقاعد مكسوة بالبلاستيك، وسجادة زرقاء وبيضاء مبسوطة من الجدار إلى الجدار، وموقع أبيض الطلاء، وغسالة ومجفف، أشياء كانت شائعة في حيِّها، غائبة عن حيِّي.
كنت أعرف كيف أدعك الأرضية جاثية على ركبتي وكيف أغسل الثياب في حوضنا المصنوع من الزنك، لكنني لم أكن رأيت من قبل مكنسة كهربائية من طراز هوفر أو مكواة لا تسخَّن على النار.
كان جزء من اعتزازي بالعمل لديها يكمن في أنني أكسب نقودا لي أن أهدرها: على الأفلام أو الحلوى، أو الكرات، أو الوجبات السريعة، أو الأيس كريم. ولكن جزءا ضخما من اعتزازي كان يقوم على حقيقة أنني أعطي نصف أجرتي لأمي، فكان معنى ذلك أن بعض ما أكسبه يستعمل في أمور حقيقية، كقسط وثيقة التأمين أو سداد الديون لبائع الحليب. كانت لذة حقيقية أن أشعر أن لي ضرورة بالنسبة لأبويّ. لم أكن مثل أطفال الحواديت: أفواه ضجرة مفتوحة للطعام، ومصادر إزعاج بحاجة إلى التهدئة، ومشكلات تبلغ من التعقيد حد أن تترك في الغابة. كان لي وضع لي يوفره لي أداء المهام في بيتنا، وكنت ألقى بوضعي ذلك ابتسامة هادئة وإطراقة استحسان من أحد الكبار. كل تلك كانت تأكيدات على أنني كالكبار لا كالصغار.
في تلك الأيام، في الأربعينيات، لم يكن الأطفال فقط موضع حب، أو إعجاب، بل وموضع احتياج. كان بوسعهم أن يكسبوا المال، وأن يعتنوا بمن هم أصغر منهم، وأن يعملوا في المزرعة، أو أن يرعوا قطيعا، وأن يخرجوا في مشاوير، وأكثر من ذلك بكثير. وأحسب أنه ما من احتياج إلى الأطفال في شيء من ذلك الآن. بل هم محط حب، وعناية، وحماية، ومساعدة. جميل، ولكن ...
قليلا قليلا، أصبحت أفضل في تنظيف منزلها ـ صرت جيدة بحيث يوكل إليَّ المزيد، والمزيد. صرت أومر أن أحمل أرفف المكتبة إلى طابق علوي، ومرة، طلب مني أن أنقل البيانو من جانب في الغرفة إلى جانب آخر. فوقعت وأنا حمل رف الكتب. وبعد نقل البيانو أوجعني ذراعاي وساقاي وجعا شديدا. كنت أريد أن أرفض، أو أن أشكو على الأقل، ولكنني كنت أخشى أن تطردني، فأفقد الحرية التي كان يهبها لي الدولار، وكذلك الوضع الذي يضعني فيه في البيت، برغم أن كلا الأمرين تلاشيا رويدا رويدا. بدأت تعرض عليَّ ثيابا، بمقابل. وسعدت بتلك الهلاهيل، التي كانت تبدو فاتنة لبنت صغيرة لم يكن لديها غير فستانين ترتديهما في المدرسة، فاشتريت القليل. إلى أن سألتني أمي إن كنت فعلا أريد أن أعمل في مقابل هذه الفضلات. فتعلمت أن أقول "لا، شكرا لك" رافضة سترة باهتة تعرضها عليَّ في مقابل ربع أجري.
ولكن بقي صعبا علي أن أستجمع الشجاعة لأناقش أو أعترض على طلباتها المتزايدة. وكنت أعرف أنني لو أخبرت أمي كم أنا تعيسة لطلبت مني أن أترك العمل. وحدث ذات يوم، وأنا وحدي في المطبخ مع أبي، أن أفلتت مني شكاوى من العمل. كلمته في تفاصيل، وضربة أمثلة لما يتعبني، ومع أنه كان يستمع في اهتمام، لم أر تعاطفا في عينيه. ما من "أوه، يا ابنتي المسكينة". لعله فهم أن ما كنت أريده منه هو حل لمشاكلي في العمل، وليس مهربا منه. على أي حال، وضع فنجان قهوته وقال "اسمعي. أنت لا تعيشين هناك. أنت تعيشين هنا. مع أهلك. اذهبي إلى العمل. احصلي على نقودك. وارجعي إلى بيتك".
ذلك ما قاله. وهذا ما سمعته:
1.     مهما يكن العمل، قومي به على خير وجه ـ لا من أجل الرئيس بل من أجل نفسك.
2.     أنت تصنعين الوظيفة؛ الوظيفة لا تصنعك.
3.     حياتك الحقيقية معنا، مع أسرتك.
4.     أنت لست ما تعملين، أنت من أنت.
عملت لحساب جميع أنواع الناس منذ ذلك الحين، العباقرة والبلهاء، اللماحين والأغبياء، كبار القلوب وضيقي الآفاق. عملت في وظائف كثيرة، لكنني منذ ذلك الحوار مع أبي لم أجعل مستوي الجهد معيارا لذاتي، ولم أقدم قط أمن الوظيفة على قيمة البيت.

كاتبة المقال هي توني موريسون، الروائية الأفروأمريكية الحاصلة على جائزة نوبل في الأدب.

نشر المقال في ذي نيويوركر في عدد 5 إلى 12 يونيو 2017 ونشرت الترجمة في جريدة عمان