السبت، 14 مايو 2016

انصهار الحضارات فرصة التفاؤل العالمي

انصهار الحضارات
فرصة التفاؤل العالمي
كيشور محبوباني ـ لورنس إتس سامرز


مزاج كئيب هو المسيطر على أغلب أرجاء العالم في هذه الأيام. ففي الشرق الأوسط اضطرابات تفضي إلى مئات الآلاف من الوفيات وملايين من اللاجئين، وفي العالم كله هجمات إرهابية عشوائية، وفي شرق أوربا وآسيا توترات جيوسياسية، ونهاية دائرة السلع الكبرى، ونمو متباطئ في الصين، وركود اقتصادي في كثير من دول العالم، فكل ذلك مجتمعا يغذي التشاؤم العميق بشأن الحاضر، والمستقبل أيضا، وهذا هو الأسوأ.
غير أن مؤرخي الأجيال التالية حينما يرجعون أبصارهم من موقعهم الأفضل في المستقبل سيحارون على الأرجح أمام مشاعر الكآبة والتشاؤم المنتشرة بيننا اليوم. ذلك أن أغلب المقاييس الموضوعية للرفاهية الإنسانية تقول إن العقود الثلاثة الماضية كانت الأفضل على مدار التاريخ. فالمزيد والمزيد من الناس في المزيد والمزيد من أرجاء العالم ينعمون بحياة أفضل من ذي قبل. وهذه ليست مصادفة، لأن ما حدث ـ برغم إنذار صمويل هنتنجتن ـ على مدار الأجيال الحديثة لم يكن صدام حضارات بل انصهار حضارات.
ونقول ببساطة إن حضارات العالم الكبرى، التي درجت على أن تكون لها هويات منفصلة مستقلة، تتزايد بينها الآن مناطق الاشتراك والتداخل. أغلب الناس في أرجاء العالم الآن لديهم من الطموحات مثل ما لدى طبقات الغرب الوسطى: فهم يريدون أن يوفروا لأبنائهم تعليما جيدا، ووظائف جيدة، وحياة سعيدة منتجة يعيشونها أعضاء في مجتمعات مستقرة مسالمة. وبدلا من الإحساس بالكآبة، ينبغي أن يحتفل الغرب بنجاحه الساحق في غرس عناصر أساسية من رؤيته للعالم في حضارات عظيمة أخرى.
مسيرة العقل، التي أطلقها عصر التنوير في الغرب، تنتشر في العالم، قائدة إياه باتجاه ظهور ثقافة برجماتية قائمة على حل المشكلات في كل منطقة ومتيحة الإمكانية لتصور نظام مستقر دائم قائم على قواعد. بل إن هناك أسبابا وجيهة للغاية للاعتقاد بأن العقود القليلة القادمة قد تكون أفضل بالنسبة للإنسانية من العقود القليلة الماضية طالما أن الغرب لا يفقد الثقة في قيمه الأساسية وينسحب من انخراطه في العالم. ومن ثم فإن أعظم أخطار التنشاؤم الراهن هو أنه قد يصبح نبوءة تحقق نفسها بنفسها بما يفضي إلى الخوف والانسحاب بدلا من بذل المساعي لتقوية النظام العالمي القائم.
تكمن جذور الحقبة المعاصرة في التحول الذي شهده الغرب أثناء عصر النهضة، والتنوير، والثورة الصناعية. فليس لحضارة أخرى فضل ولادة الحداثة. وهذا لم يتم بنية حميدة في الارتقاء بالإنسانية عامة، فقد كانت هناك مشكلات كثيرة على الطريق، وكان لانفجار القوة الغربية في شتى أرجاء الكوكب عواقب رهيبة على الثقافات والمناطق الأخرى. ولكن المحصلة النهائية تمثلت في انتشار النظرة الحديثة القائمة على العلم والعقلانية لحل المشكلات، وكان ذلك من صالح سكان الكوكب.
لقد كان هناك على سبيل المثال ـ منذ نصف قرن فقط ـ صدام بين أيديولوجيات اقتصادية. فكان بوسع نيكيتا خروشوف ـ رئيس الاتحاد السوفييتي السابق ـ أن يزعم أن الدولة أفضل في توفير السلع الأساسية للمواطنين من الأسواق الحرة، ولكن هذه الرؤية اليوم لا تلقى غير السخرية. فاقتصاد السوق جعل العمال الصينيين والهنود اليوم أكثر إنتاجية مما كانوا في ظل حكم ماو تيسدونج أو جواهرلال نهرو أول رئيس للوزراء في الهند. والمجتمعات اليوم تتقبل الحقيقة البسيطة القائلة بأن العمال بحاجة إلى حوافز مادية للإنتاج، وهو ما أدى إلى تزايد الكرامة والإحساس بالقيمة الذاتية. والأغلبية الكاسحة من البشر اليوم متعلمة، وقادرة إلى حد ما على الحركة، وقادرة على الاتصال بمخزون المعرفة القائم. ويمتلك نحو نصف الراشدين في العالم هواتف ذكية، وهناك من الأدوات المتصلة اليوم إجمالا أكثر مما يوجد في الكوكب من السكان.
في الوقت نفسه أدى انتشار العلم والتكنولجيا إلى تحسين الكرامة والرفاهية البشريتين. لقد درج أغلب البشر على عيش حياة مقيتة قاسية قصيرة. لكن العمر المتوقع اليوم ازداد بوثبات وقفزات في كل أرجاء العالم تقريبا. لقد تناقصت وفيات الأطفال والأمَّهات تناقصا حادا، بفضل انتشار المعايير الصحية الواضحة وإنشاء المستشفيات الحديثة. وبحسب مؤسسة بيل آند ميلندا جيتس فقد كان شلل الأطفال حتى عام 1988 متفشيا في 125 دولة، فانحسر الرقم اليوم إلى بلدين. وباستثناء الطالبان وبعض الجيوب في الأوساط الراقية في الولايات المتحدة، باتت فضائل التطعيمات مقبولة من الجميع تقريبا، في سياق الإجماع على القبول بفضائل العلم والتكنولجيا الغربيتين.
والعقل يحل محل الخرافة بصفة عامة. فالناس الآن في شتى أرجاء العالم يقومون روتينيا بتحليلات الفائدة والتكلفة الأساسية عند البحث عن حلول لمشكلاتهم، الأمر الذي يفضي إلى تحسن المحصلات النهائية في كل المجالات، من الزراعة إلى المعمار إلى الحياة الاجتماعية والسياسية. وهو ما يساعد على تفسير الانحدار الدراماتيكي بعيد المدى لأغلب أنواع الصراعات وأشكال العنف بحسب ما وثَّق ستيفن بينكر الباحث بجامعة هارفرد.
بعد العبودية والسجن، يبقى أكثر الظروف التي يمكن أن يمر بها الإنسان مهانة هو الفقر. في عام 2000، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان أحد أهداف التنمية العالمية الألفية الطموح وهو تقليل الفقر العالمي المدقع بمقدار النصف بحلول 2015. ولقد تم تجاوز هذا الهدف تجاوزا كبيرا وتنبأت المخابرات الوطنية الأمريكية بتقلص الفقر المدقع بدرجة أكبر بحلول عام 2030 وهو ما سيشكل أحد أبرز التطورات في التاريخ الإنساني. ومن المتوقع في الوقت نفسه أن تزداد الطبقة الوسطى العالمية من 1.8 مليار في 2009 إلى 3.2 مليار في 2020 و4.9 مليار في 2030. تناقص معدل وفيات الأطفال في العالم مما يقدر بـ 63 وفاة من كل ألف مولود حي سنة 1990 إلى 32 في 2015. وهو ما يترجم إلى تراجع وفيات الأطفال سنويا بواقع أربعة ملايين حالة.
غير أنه بدلا من التفاؤل القائم على هذا التقدم الحديث، غالبا ما يصادف المرء التشاؤم في الغرب في هذه الأيام، وهو يتعلق بثلاثة تحديات راهنة: الاضطراب في العالم الإسلامي، وصعود الصين، والتكلس السياسي والاقتصادي داخل الغرب. ولكنه تشاؤم غير مبرر، لأنه ليس بين هذه التحديات ما يمثل داء لا دواء له.
المسلمون الحداثيون
يتألف العالم الإسلامي من المغرب إلى اندونسيا من  1.6 مليار مواطن، أي ما يزيد على واحد من كل خمسة أشخاص على ظهر الأرض. أغلبيتهم الكاسحة يشتركون  في المطامح العالمية المشتركة إلى تحديث مجتمعاتهم، والوصول إلى مستويات الطبقة الوسطى، وعيش حياة مسالمة منتجة متحققة.

والإسلام ـ خلافا لما يقطع به البعض ـ متسق تمام الاتساق مع التحديث. فحينما أقامت ماليزيا برجي بتروناس ودبي برج خليفة لم تكونا تقيمان مجرد هياكل مادية بل تبعثان رسالة ميتافيزيقية مفادها: إننا نريد أن نكون جزءا من العالم الحديث بكل أبعاده. كثير من المجتمعات الإسلامية علَّمت نساءها. في الجامعات الإسلامية تفوق النساء الرجال بنسبة 65 إلى 35 في المائة. بل إن بعض الدول الإسلامية التي عزفت في البداية عن تبني التحديث بدأت في تبنيه. فقطر والسعودية والإمارات على سبيل المثال لديها فروع من جامعات عالمية. ويكمن أحد أسباب هذا التحول في تجارب مناطق أخرى، كآسيا، التي يتبين منها أن التحديث لا يعني التغريب [من الغرب westernization]، وأنه من المستحيل السعي إلى التطور الاقتصادي والاجتماعي على سبيل المثال مع الإبقاء على بعض الخصائص الثقافية المميزة.
صحيح أن عددا محددا من الشباب المسلمين سوف يظل يختار الثورة على العالم الحديث بدلا من الاندماج فيه، فينضم إلى الجماعات الإسلامية الراديكالية التي تحاول نشر الخراب حيثما تستطيع. لقد انضم قرابة ثلاثين ألف مقاتل مسلم من شتى أرجاء العالم ـ ومن ضمنه الغرب ـ إلى الدولة الإسلامية المعروفة بداعش. ولكن مهما تكن ضخامة المشكلة الأمنية العالمية التي يتسببون فيها، فإن عددهم يتقزم قسياسا إلى مائتي مليون مسلم مسالم يعيشون في اندونسيا وحدها على سبيل المثال. انتخبت اندونسيا رئيسين متعاقبين ملتزمين بدمج البلد في العالم الحديث، ومنظمة نهضة الأمة الإسلامية الكبرى فيها (Nahdlatul Ulama) التي تضم أكثر من خمسين مليون عضوا أدانت أفعال داعش وأيديولوجيتها علنا.
إذن التحدي الحقيقي ليس العالم الإسلامي في ذاته، بل في التوصل إلى كيفية لتعزيز الاتجاهات المناصرة للتحديث في ذلك العالم واحتواء الاتجاه الراديكالي. يمكننا القول بأثر رجعي إن الغرب أخطأ حينما بقي صامتا على تمويل السعودية شديد التزايد لعدد من المدارس الراديكالية في أنحاء العالم. وإن الاستثمار الآن في إنشاء مدرسة حديثة جيدة بجوار كل مدرسة راديكالية كفيل  بخلق منافسة على الشرعية التي قد تطغى على قيم التنوير في شتى أرجاء العالم. وهذا برنامج قد تقوم بتنفيذه اليونسكو واليونيسف بتكلفة منخفضة نسبيا، وهو لا يعدو مجرد خط من خطوط كثيرة ممكنة لمهاجمة المشكلة.
تحدي الصينيين
التحدي الكبير الثاني الذي يتخوف منه الكثيرون هو صعود الصين. غير أن من الممكن النظر أيضا إلى نجاح الصين بوصفه انتصارا نهائيا للغرب. لقد اشتهرت رسالة الإمبراطور كيانلونج إلى ملك بريطانيا العظمى جورج الثالث سنة 1793 التي قال فيها "إن امبراطوريتنا السماوية تمتلك كل الأشياء بوفرة هائلة ولا ينقصها داخل حدودها أي منتج. فلا داعي إذن إلى استيراد مصنوعات البربر الخارجيين  في مقابل ما نتجه". ثم أدرك الصينيون بعد قرنين أن استيعاب مجتمعهم للحداثة الغربية أمر لا غنى عنه لإحياء بلدهم من جديد. ولقد أدى ذلك إلى نمو اقتصادي سريع، وبنية أساسية جديدة وبراقة، وانتصارات في ارتياد الفضاء، وألعاب بكين الأولمبية المذهلة، وغير ذلك كثير.
لكن برغم قبول المجتمع الصيني للحداثة بحماسة عظيمة، لم يهجر جذوره الثقافية الصينية. فالصينيون ينظرون إلى حضارتهم الصينية الحديثة مؤكدين على صينيتها، ولا يرون تناقضا. والحق أن الصين تشهد الآن نهضتها الثقافية الخاصة بدافع من تأثيرات جديدة.
وتنعكس ازدواجية القصة الصينية في رد فعل الغرب الشيزوفريني عليها. فلقد سعت إدارة [الرئيس الأمريكي] نيكسون سعيا حثيثا إلى تحسين العلاقات مع الصين في ظل حكم ماو، وحينما زاد دينج زياوبنج البلاد انفتاحا، أثنى الغرب على التغير. وتقبلت الصين المنتجات الصينية في أسواقها، وسمحت بفائض تجاري هائل، ورحبت بالصين في منظمة التجارة العالمية سنة 2001، وأبقت الخطوط الملاحية البحرية مفتوحة بحيث تتمكن الصين من التجارة بحرية. وجميع ذلك أدى بالصين إلى الظهور بوصفها القوة التجارية الأولى في العالم بحلول عام 2013. كما أتاحت الولايات المتحدة أيضا لأكثر من مليون طالب صيني الدراسة في جامعاتها.
ولكن صعود الصين أدى كذلك إلى مخاوف عميقة. فلا تزال الصين تدار بسلطة الحزب الشيوعي الذي لا رغبة لديه في اعتناق الديمقراطية اللبرالية. ولقد أظهرت الصين وجهها العدائي في بعض تعاملاتها مع اليابان وبعض أعضاء "اتحاد دول جنوب شرق آسيا" بشأن نزاعات حدودية في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي. وليس من الممكن استبعاد احتمال عمل عسكري عدواني من الصين.
ولكننا قطعنا مسافة نائية منذ الأيام التي كان ماو يتكلم فيها علنا عن احتمال الفوز بحرب نووية، والتاريخ يشير إلى أن بكين سوف تؤثر في نهاية المطاف الانضمام بدلا من الرفض والبحث عن بديل نظام القواعد الراهن الذي وضعه الغرب. وبوصفها القوة التجارية الأولى في العالم، ستكون الصين أكثر من يخسر من انهيار النظام الاقتصادي العالمي. بل إن التاريخ يعلمنا أن أكثر ما تخشاه الصين هو اللوان luan  أي الفوضى. وهذا ما قد يؤدي إلى جهود حثيثة للحفاظ على النظام محليا، ولكنه ينبغي أن يقود الصين إلى دعم نظام القواعد على المستوى العالمي أيضا. ومما لا شك فيه أنه مع ازدياد قوة الصين، ستكون أشد حسما. وهذا حدث. لكن بما أن الصين لا تزال بحاجة إلى بضعة عقود من السلام لإكمال التحديث، فإن لديها أسبابا قوية لكبح قوتها العسكرية واجتناب الدخول في صراعات.
لن يصبح المجتمع الصيني يوما نسخة من المجتمع الغربي. فثقافة الصين شديدة الثراء بحيث يتعذر استيعابها في أي عالم ثقافي آخر. ولكن تحديث الصين سوف يثمر عن طموحات مشتركة في كثير من المجالات، كما هو الحال مثلا مع الانتشار السريع للموسيقى الكلاسيكية الغربية. في عام 2008 كان 36 مليون طفلا صينيا يدرسون البيانو (وهو ستة أمثال العدد في الولايات المتحدة) و50 مليونا كانوا يدرسون الكمان. وفي بعض المدن الصينية تمتلئ قاعات خمسة عشر دار أوبرا كل مساء.
إن صينا حديثة بفرق موسيقية كلاسيكية غربية مزدهرة وجامعات على الطراز الغربي تظهر مثالا قويا على انصهار الحضارات. ولا بد لرجال الدولة الصينيين أن يسمحوا بهذا الزخم الدينامي مع تحليهم بالصبر في مجالت أخرى تشهد تغيرات أيضا، كالمجال السياسي على سبيل المثال. إن تطور الصين قد لا يكون بالضرورة تطورا خطِّيا، ولكنه ينبغي على المدى البعيد أن يستمر في الاتجاه الإيجابي.
الشعبويون المتشائمون
التحدي الثالث اليوم هو فقدان الثقة المنتشر في الغرب في ما يتعلق بأنظمته وقدراته المستقبلية. إن النمو البطيء في العالم المتقدم، وركود الدخل لدى أغلب السكان، وارتفاع التفاوت الاقتصادي، والاختناق السياسي، وظهور السياسيين الشعبويين في كل من طرفي الطيف السياسي قد دفعت جميعا إلى انتشار إحساس بأن نماذج الحكم والإدارة الاقتصادية الغربية تتخبط.
كثير من هذه المشكلات حقيقي ومهم. ولكنها لا تتجاوز قدرة القيادة العازمة على الحل، ولا هي تمثل ضعفا جذريا في النموذج الغربي. لذلك يبدو لنا التشاؤم مغالى فيه، شأن موجات الانحدار والخوف من أن خير أيام الغرب قد ولّت. والخطر الأعظم في واقع الأمر هو أن تصبح التشاؤمية المنتشرة نبوءة تحقق نفسها بنفسها. إن صناع السياسة الغربيين المتشائمين هم الأرجح احتمالا أن يروا من التهديدات أكثر مما يرون من الفرص وأن يديروا ظهورهم للعالم بدلا من الاستمرار في قيادته بنجاح.
وهذا ملحوظ في المعارضة المتزايدة ـ على سبيل المثال ـ للشراكة العابرة للأطلنطي وهي صفقة تجارية كبرى من شأتها أن تساعد على توسيع وتعميق النظام اللبرالي في نطاق شاسع من الكوكب. وهو واضح أيضا في الارتياب المتزايد من المهاجرين واللاجئين وفي الدعم المتزايد لإغلاق الحدود. ويمكن رؤيته في التفكك المحتمل للمؤسسات السياسية مثل الاتحاد الأوربي، الذي كان من قبل نموذجا للاندماج الدولي.
سيكون عارا رهيبا إذا انصرف الغرب عن النظام الدولي الذي خلقه بعد الحرب العالمية الثانية فوفر الكثير من الأمن والرخاء والتنمية على مدار عقود. في حين أنه لا بد من تقوية هذا النظام من خلال ثلاث خطوات على وجه التحديد هي: العمل مع الصين والهند، وتعزيز القواعد الدولية، والتأكيد على النزعات العالمية الإيجابية التي تضيع وسط هيستيريا النزعات السلبية.
لماذا الصين والهند؟ لأن لهما أكثر سكان العالم النامي وأكثر اقتصاداته تقدما، ولأن لهما قيادتين إصلاحيتين، ولأنهما تتعاملان مع المستقبل بدينامية وتفاؤلية وأمل. ولأنهما تفهمان أنهما بحاجة إلى تولي مسؤوليات أكبر في مواجهة المشكلات العالمية، ولأنهما بدأتا ـ بحسب ما يتبين من اتفاقية المناخ في باريس في الصيف الماضي ـ في القيام بذلك بالفعل.
وبرغم أن صعود الصين يمثل أحد أعاجيب العصر المعترف بها عالميا، فإن صعود الهند مثير أيضا للإعجاب، فالهند أيضا تبنت التحديث والعولمة وعقلانية التنوير. وفي ذلك الطريق، تمثل الهند أكبر بلد ديمقراطي في العالم، إذ استطاعت أن تنجح في تكييف مجتمع متعدد ثقافيا على نحو مدهش، محافظة على قيمه حتى في ظل هجمات إرهابية متكررة.
وبرغم أن الاثنتين قوتان آسيويتان، فهما تختلفان كثيرا بحيث يصبح تطوير القدرة على العمل عن قرب مع كلتيهما والتعلم منهما خطوة كبيرة إلى الأمام نحو تعزيز نظام عالمي حقيقي. سوف يوفر انتشار الجامعات غربية الطراز والفرق الموسيقية في الصين جسورا جديدة بين الصين والغرب. كما أن النجاح الاستثنائي للمجتمع الهندي العرقي في الولايات المتحدة سوف يوفر جسورا مع الهند. وهذا التعاون كله سوف يؤكد على عملية انصهار الحضارات.
وعلى النقيض من الصين والهند، تراجعت روسيا عن التبني الحقيقي للحداثة، برغم أن الاتحاد السوفييتي بدأ التحديث قبل أن تشرع فيه الصين والهند. فترددت روسيا في الانضمام لمنظمة التجارة العالمية، ولم تقبل إلى الآن بالمشاركة في نظام القواعد القادر على تيسير تقدمها هي نفسها. وكلما ازادات بكين ونيودلهي رخاء، ازدادت إمكانية إقناع موسكو بحذو حذوهما.
وعلى الغرب وهو يعمل عن قرب مع القوى النامية الكبرى أن يهيئ جهوده لإقامة عالم قوي قائم على القواعد بصفة عامة. لقد قال الرئيس الأمريكي بيل كلينتن في عام 2003 إن الأمريكيين يجب أن يجربوا "خلق عالم القواعد والشراكات والعادات السلوكية الذي نود أن نعيش فيه عندما لا نكون القوة العظمى عسكريا وسياسيا واقتصاديا في العالم". ولو أمكن لمواطني كلينتن أن يتقبلوا هذه النصيحة، فسوف يكون مواطنو الدول الأخرى أميل إلى القبول بها. وقد يكون تحقيق ذلك أيسر مما يعتقد الكثيرون.
إن أغلب معمار العلاقات العالمية اليوم لم يكن أكثر من هدية قدمها الغرب للعالم. ولكن القوى الغربية الكبرى ضمنت في الوقت نفسه ألا تقوى هذه المؤسسات أو تستقل بحيث تمثل أي إزعاج لمنشئيها. فكان الأمناء العموم للأمم المتحدة صنائع للدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، ورؤساء البنك الدولي وصندوق البنك الدوليين جاؤوا دائما من الولايات المتحدة وأوربا، والسيطرة على هذه المؤسسات التمويلية استعملت كثيرا لتحقيق أهداف مفرطة في طبيعتها المالية. لا بد من إعادة النظر في هذه السياسات لأن شرعية النظام تعتمد على اليقين بأن قواعده توضع من قبل الجميع وتنطبق بالتساوي على الجميع، وأنها لا تراعي مصالح ضيقة. إن اختيار قادة أقوياء للمؤسسات الدولية الكبرى والابتعاد بعمليات هذه المؤسسات بعيدة عن التخريب والتسييس خطوة أساسية إلى الأمام.
وأخيرا يجب على صناع السياسة الغربيين أن يعملوا على إبراز ما يحدث من إيجابيات في العالم بدلا من السلبيات. لقد تجاوز مئات الملايين من البشر نطاق الفقر في العقود الأخيرة مع تراجع الصراعات المسلحة. وتقارب المطامح العالمية يعني أن أغلبية الدول تريد أن تشهد ثورة تعيد تشكيل المعمار العالمي. وظهور ضغط المشكلات بين الدول ينبغي أن يقود إلى تقارب في المصالح وأن يدعو إلى التعاون في العثور على حلول مشتركة. ووجود طبقات وسطى كبيرة ومتعلمة في دول العالم كله سوف يساعد على إبقاء الحكومات في مسارها الصحيح.
إن هناك كل أنواع الأسباب التي تدعونا إلى الثقة بأن حالة العالم سوف تستمر في التحسن مع اعتماد العالم على البرجماتية وتحكيم العقل. لقد كانت الجامعات الغربية دافعا حاسما في هذا الاتجاه. وليس ذلك فقط لاستنساخ مناهجها في شتى أرجاء العالم، بل لأن نظام البحث كله تم استنساخه، وخريجو هذه الجامعات غربية الطراز هم الذين بدورهم يقدمون المناهج الحديثة في التعليم والرعاية الصحية والإدارة الاقتصادية، والسياسات بصفة عامة. كما تساهم شركات الاستشارات الإدارية العالمية في التقدم ونشر أفضل الممارسات والأفكار من الغرب إلى "البقية"، ثم من البقية إلى الغرب بصورة متزايدة. ونتيجة لذلك، تدخل حتى الدول ـ التي كانت فاشلة ويائسة من قبل ـ مثل بنجلاديش واثيوبيا إلى العالم الحديث.
باختصار، برغم العناوين اليومية الصارخة بالكآبة ونذر الشر، يتقارب العالم، بدلا من أن يتفكك. وانصهار الحضارات إلى الآن ينساق بدفع من حقن الدي إن إيه الغربي في الحضارات الأخرى. وبمرور الوقت يرجّح أن يسير تيار الثقافة في الاتجاهين. وهو ما حدث فعليا في الطعام، حيث  اخترقت التأثيرات العالمية المطبخ الغربي اختراقا عميقا، ومن المنتظر أن يحدث شيء مماثل على المستوى الثقافي.
 ولسوف تكون هناك تحديات. بل إن من الممكن أن تحدث انتكاسات. إذ ربما يبدو انصهار الحضارات وما يرتبط به من تغيرات اجتماعية واقتصادية منطويا على تهديد للبعض، وخالقا فرصا للديماجوجيين لاستغلال المخاوف الشعبوية حتى في قلب العالم الصناعي. ولكن من المرجح أن تتجنب المجتمعات متزايدة الانفتاح والاستنارة هذا الخطر. في القرن الحادي والعشرين، سوف يزداد العالم خضوعا لحكم سلطة الأفكار أكثر من خضوعه لحكم فكرة السلطة. أي أن الاتجاه التقدمي في التاريخ الإنساني، الذي ارتقى بالوضع الإنساني إلى ذرى لم تكن معروفة من قبل، مرشح للاستمرار.



فورين بوليسي عدد مايو ويونيو 2016