الخميس، 8 مايو، 2014

راسل إدسن ... عاريا إلا من خياله

راسل إدسن ... عاريا إلا من خياله

حوار: بيتر جونسن

لا داعي لتقديم راسل إدسن إلى قراء الشعر الأمريكي المعاصر، لا سيما قراء مجلة "قصيدة النثر: مجلة دولية". جرى هذا الحوار على مدار سنوات كثيرة من المراسلات، وخضع للعديد من المراجعات. ونشر للمرة الأولى في عدد صيف 1999 من مجلة "ذي رايترز كرونيكل".


بيتر جونسن: في رأيك ما سبب نهضة قصيدة النثر مؤخرا؟ كثير من المجموعات الحديثة تظهر وفيها قصائد النثر والنظم. حتى كتاب روبرت بينسكي[i] "عظْمة الإرادة The Want Bone " صدر وفيه قصيدة نثر طويلة. بل إن هناك أربع أنطولجيات حديثة، وخمس دراسات نقدية على الأقل، وبضع مجلات مخصصة لقصيدة النثر، وإن كان المرء لا يرى بعد كثيرا من قصائد النثر في "أفضل الشعر الأمريكي"[ii] أو في قائمة الحاصلين على جائزة بوشكارت. كما أن من النادر ـ أو حتى من المعدوم ـ أن ترى كتب شعر نثري تفوز بالألف أو نحو ذلك من المسابقات.
راسل إدسن: لكوني منعزلا إلى حد كبير، فما أعرفه عن قصيدة النثر إنما هو من خلال مجلتك[iii] التي يثبت كل عدد منها أن هناك كما مدهشا من الناس الذين يكتبونها. طرق الكتابة شأنها ـ بشكل ما ـ شأن صرعات الأزياء، حيث أطوال الفساتين تزيد وتقل. فالذي يكون بالخارج في عام ما يكون بالداخل في عام آخر. ولعل شعراء النثر حيوانات مسايرة للموضة واعية بها. هناك حيوانات من أنواع أخرى تظل ترتدي نفس طرز الملابس لقرون أو أكثر. بل إن البعض منا يقلدون تقليد القردة إذ ترى فتكرر ما تراه. ناهيك عن أن قصائد النثر تبدو سهلة الكتابة. ولكنني أتفق على أنه برغم ما تحظى به قصيدة النثر اليوم من اهتمام عظيم، إلا أنها لم تنل بعد شرعية الشعر التقليدي أو الشعر الحر. وهذا جيد من وجهة نظري. فمن شأن الصناديق أن تصيب إبداعيتي بالجفاف. قصيدة النثر تتيح للفرد أن يخلق حدوده. هي أقرب إلى طريقة عارية في الكتابة. وبالنسبة للجوائز، يمكن أن أذكر كتاب قصيدة نثر، هو "العالم لا ينتهي" لتشارلز سيميك[iv]، فقد حصل هذا الكتاب على جائزة بوليتزر من بضع سنوات.

بيتر جونسن: تلك نقطة جيدة، لكن من المهم أيضا أن نلاحظ أن جائزة سيميك صدمت قليلا من الشكلانيين، وقد سمعت أن مؤسسة الشعر قررت "السماح" لسيميك بالفوز عن كتاب قصائده النثرية لأنه متحقق أساسا كشاعر يكتب الشعر الحر، ولأن في شعره حساسية أوربية ما. وهذا افتراض يتجاهل طبعا ما يتسم به "العالم لا ينتهي" من ابتكارية وإمتاع.
إدسن: يحاول الكاتب الجيد أن يكتب فيما وراء حدود النوع. وهذا المجتمع الافتراضي الذي تتكلم عنه لا يعني شيئا لشغل الكتابة الحقيقي. وفي النهاية، القيمة الوحيدة لأي جائزة أدبية هي قيمتها الدولارية، فينتهي الأمر بالشخص وقد صار عجوزا أسود الفم بسبب الكافيار، أحمر العينين بسبب البلادي ماري.
ولولا غمزة عين من السماء، ما قيمة الإعجاب البشري؟
وأكيد أنت سمعت عن جائزة نوبل. هذه ثياب سهرة لا أكثر. ملك السويد، بعد أن يسلمك الكرونورات، يركلك برقة متمنيا لك حظا طيبا. وهو رجل ضخم، ويلتزم بتقليد راسخ في العرش السويدي، يجعله يرتدي حدوة حصان. معلوماتي أن الركلة تؤلم جدا. مرة ركل فائزا فمات أمام أعين جمهور عالمي.

جونسن: يعني أنت ممكن تغامر بهذا العقاب للحصول على المال؟
إدسن: برغم أنه شرف كبير أن ينال المرء ركلة من ملك يرتدي حدوة حصان، إلا أنه شرف لا يضاهي حلاوة كأس من البلادي ميري مرشوقة فيه شريحة من الليمون. ومع ذلك فالأمر جدير بالمخاطرة. لعل أسوأ ما فيه هو الزي الرسمي. أفضل كثيرا البجامة مع طاقية النوم. ويكون الشبشب اختياريا. البعض يحلو لهم الذهاب إلى حفلات تسليم الجوائز حفاة، فذلك يشعرهم أنهم كالحجيج.

جونسن: لا جدال أن هذا يبدو مظهرا مثاليا لشاعر النثر، وإن كان قليل من الشعراء لا يريدون أن يتسموا بهذه التسمية.  فناعومي شهاب ناي[v] تسمي قصائدها النثرية "فقرات"، ودبليو إس مرون[vi] يصر أن قصائده في "أبناء عامل المنجم الشاحبون" وفي "منازل" و"مسافرون" ليست قصائد نثر. ومؤخرا، في مجلة بويتري إيست، أوضح روبرت هاس[vii] في معرض تعليقه على مقطوعة نثرية أنها في واقع الأمر ليست قصيدة نثر. وأطلق عليها مسمى "قصة من فقرة واحدة". ومع ذلك أرى أن كلا من هؤلاء الكتاب كتب قصائد نثر، وقصائد نثر جيدة للغاية.
إدسن: أي اسم يخلعه المرء/المرأة على أو عن كتابته/كتابتها أقل أهمية بكثير من العمل نفسه. فقد كنت أطلق اسم "الخرافات" على أولى كتبي المنشورة، ساعيا ـ بعون من تلك اللافتة ـ إلى صفة أطلقها على المقطوعات التي كنت قد بدأت أكتبها مع تفتح وعيي الجنسي. ولكن الخرافات fables قصص تحمل رسائل، وأنا لا أحب الرسائل. كما أن الحكايات الخرافية fairy tales تقول لك منذ بدايتها إننا لسنا واقعيين، بل تسلية. وأنا كان غرضي ولا يزال هو الواقع. في ذلك الوقت من حياتي المهنية كان مصطلح شعر النثر يبدو أكثر ارتباطا بالخبز الفرنسي والبطاطس المقلية الفرنسية. لقد تعلمت الكتابة من خلال ممارسة الكتابة، ولكن كان لدي حدس بطريق ما، ولم يكن ذلك الطريق يزيد أو ينقص عما أستطيع أن أصنعه أنا منه. شيء لا يطمح إلى أكثر مما يطمح إليه كتاب تمهيدي لطفل. وقد يكون ذلك هو طموحه الخاص. واليوم تبدو عبارة "قصيدة النثر" ملائمة لوصفي بدون جلبة كثيرة. ما الذي في الاسم[viii] ... أو، على ما تقول جرترود شتاين[ix]، الوردة الوردة الوردة....

جونسن: أقر بأن أي تحديد صارم لنوع أدبي يحد من إمكانياته، ولكن كلامك عن الحكاية الخرافية والخرافة يشير إلى أن تدوين الملاحظات عن سمات نوع معين يتيح للأعمال المرتبطة بهذا النوع أن تتلاقح. فأنت تذكر شتاين على سبيل المثال. بم نسمي تلك المقطوعات في كتابها "أزرار حنون"؟ وما الذي تقوله هذه المقطوعات لقصائد إدسن النثرية حين تصادفها في المعابر الضبابية بين الأنواع؟
إدسن: شتاين كتبت بالطريقة التي نفكر بها، بالشخصنة وبالتكرار الغنائي للفكرة. هي نفسها تصبح الأشياءَ الواردةَ في قصائدها، وهذه الأشياء تفكر. قد تسمي مقطوعات "أزرار حنون" قصائد نثر. ما دام بوسع المرء أن يسمي أي شيء تقريبا قصيدة نثر. وهذا هو العظيم فيها، فكل شيء يثبت أنه ليس شيئا آخر هو ربما قصيدة نثر، وذلك ما يجعل قصيدة النثر تمنح طرقا فريدة لصنع الأشياء.

جونسن: أوكي. لكن دعني أضرب أكثر على وتر قضية النوع هذه
إدسن: كلمة النوع هذه، ولو أني أستخدمها، تجعل شيئا بداخلي يقهقه. ولكن اضرب على الوتر يا سيدي...

جونسن: ما أقوله هو أنني بت أرى أن من يتحققون من شعراء النظم لا يمانعون من كتابة قصائد نثر، ولكنهم لا يريدون أن يكونوا مرتبطين ارتباطا وثيقا بالنوع خشية أن يستهان بهم. فهم يتعاملون مع قصيدة النثر وكأنها تجربة وتمر، لعبة يلهون بها بين الحين والآخر، تسلية.
إدسن: قد يكون كلامك هذا صحيحا. ففي حين يتمنى أغلب الكتاب أن ينتجوا أعمالا أصيلة، إلا أنهم في النهاية يرضون بالعادي المتفق عليه. هناك عنصر غَنَمي قوي في كثير ممن يشاهدون أفعال بقية القطيع. كل كاتب يود أن ينجح بطريقة أو بأخرى. ولكن، إذا لم يكن المرء قادرا على القبول بالفشل والاحتقار، فكيف له أن ينتج فنا؟ هذا أشبه بمن يريد أن يدخل الجنة دون أن يموت.
هناك تركيز كبير على النوع فيما يتعلق بقصيدة النثر. روح قصيدة النثر بالنسبة لي تكمن في الكتابة دونما نوع، في ذهاب المرء عاريا إلا من خياله.

جونسن: كيف ترى العلاقة الإشكالية في بعض الأحيان بين الشعر والنثر، التي تتسبب في قلق كثير للغاية من الشعراء والنقاد ومحرري الأنطولوجيات. لقد رأيت قصائد لك في أنطولوجيات مخصصة لـ القص المباغت sudden fictions والميكرو قص micro-fictions والرمزيات الحديثة modern [x]parables. ومع ذلك أنت تعتبر نفسك شاعر نثر.
إدسن: القص المباغت والميكرو قص إلخه مجرد ألاعيب، بل إنها أكثر اصطناعا من مصطلح قصيدة النثر. مصطلح قصيدة النثر قد يبدو للوهلة الأولى منطويا على تناقض، إلى أن يتذكر المرء أن مضاد النثر هو النظم. وأن مضاد الشعر هو القص، وأن النظم بمفرده لا يصنع قصيدة، وأن النثر بمفرده لا يصنع قصا. القص ببساطة هو لغة واعية. والشعر مسألة إيماءة وعلامة، بل يوشك أن يكون فنا لالغويا. الشعر والقص وجهان لعملة واحدة. ولا يمكن لأي منهما أن ينجح ما لم يكن فيه شيء من الآخر. الشعر الخالص، على سبيل المثال، هو الصمت. والقص هو الذي علَّم الشعر الكلام. ورحلة كل كاتب إلى قصيدة النثر إيجاز لتلك العملية. إنها لذة بدائية ينعم بها السذج الذين يسيِّرهم الحدس.

جونسن: تبدو هذه كنصيحة منك للسذج الناشئين.
إدسن: أفضل نصيحة يمكن أن أوجهها هي أن تتجاهل النصائح. الحياة أقصر من أن تشغلها بآراء الآخرين. الشيء الأساسي هو أن تمضي بعملك كيفما تراه. ولو لم يمكنك أن تفعله على طريقتك، فقد يعني هذا أنه لا يستحق عمله من الأصل. ليس على الكاتب المبتدئ إلا أن يكتب لكي يعثر على فنه. إنها ليست مسألة موهبة. فكلنا موهوبون. ولكن الرغبة والإصرار هما اللذان يذهبان بنا إلى حيث نريد الذهاب. العالم مكان غريب بما يكفي لأن يرى المرء نفسه عميلا سريا.

جونسن: ذكرت سابقا أنك أردت ألا يكون لشعرك "طموح يفوق طموح كتاب تمهيدي للأطفال" وفي كتابك "صورة الكاتب بوصفه رجلا بدينا" نجدك تقلل من أهمية الشاعر الذي "يهمل المضمون لحساب الشكل، فيصبح الشكل ـ عند التطرف في هذا ـ هو المضمون. الحساسية المصطنعة التي تسحق الحيوية، شعراء القواعد ومناقشاتهم اللانهائية للنَفَس والبيت، وصقلهم الجوهرة حتى تصير ترابا". واضح تماما أنك تكره الوعي بالذات في الشعر، فهو المسئول ـ إلى جانب تخريبه القصائد ـ عن النظريات الشخصية في الشعر أو النظريات العاطفية، والبيانات الذاتية. يبدو أن قصيدة "إفطار تاريخي" تسخر من هذه النرجسية وهذا الوعي بالذات. ولكن كيف نتجنب نحن الشعراء الوعي بذواتنا "وكل أعين المستقبل التي لم تولد بعد شاخصة إلينا".
إدسن: نعم، تلك مقطوعة ساخرة، رسم تخطيطي لمسخ مسالم، تثقله أعين المستقبل التي لم تولد بعد. ولكن سخف المقطوعة يحول دون أن يكون فيها من الواقع ما يجعلها أهجية، وإن كان يمكن أن تقرأ تلك القراءة.
أما بالنسبة لمسألة الشكل والمضمون، فقد قلت ببساطة إن القصيدة الخاوية كالنعش الخاوي المحشو فقط بالبطانة. نعش ذهني بلا جثة منتقاة أو جسد سيكولوجي.
أكتب في المقام الأول كي أتسلى. أي لأندهش. كثير من الشعراء يكتبون انطلاقا مما يسمونه التجربة. وذلك يبدو طريقا مسدودا. أما أنا فبالنسبة لي، القصيدة ذاتها، أو عملية كتابتها نفسها، هي التجربة، وليس كل القمامة المعتمة الكامنة من خلفها. وأنقل عن روبرت بلاي[xi]، أو القبطان كما أحب أن أسميه، قوله في مجلته "الشعر الأمريكي": "في الفن، أود أن أرى المجهول ينظر إليّ". أنا أيضا أريد هذا، وبالذات في أعمالي أنا.

جونسن: ولكن، وبرغم إصرارك على اللاذاتية، أعتقد أنك من أكثر الكتاب في جيلك أصالة.
إدسن: العزلة، مثل الفضيلة، هي جزاء نفسها. أحب فكرة أن يكون للمرء محله الخاص. فكرة الأشياء البسيطة منزلية الصنع. البسيطة في ذاتها، البسيطة في أفعالها. ذلك يحتاج شخصا بسيطا، مغفلا. وأنا الشخص المناسب لهذه الوظيفة. فلو كنت فعلت أي شيء مميز، وقد فعلت لا شك، فذلك لأنني فعلت ما يمكن لأي شخص أن يفعله لو كان رآه جديرا بأن يفعله. مفهومٌ أن الكتاب يريدون أن يعملوا فيما يعتبرونه ثيمات مهمة. أما أنا فأسلك الطريق الآخر. أحب أن أخرج بشيء من لا شيء تقريبا. هذا يترك مساحة للتخيل بدلا من إعادة حكي ما يعرفه المرء فعلا. إني أرى نفسي مخترعا أكثر مني مهندس ديكور.

جونسن: هل كنت دائما تعتبر نفسك وحيدا؟
إدسن: في البداية كنت أسعى إلى مصاحبة الكتاب، "مجموعة من الكتاب يكون بيني وبينهم حوار" كما قلت أنت ذات مرة. وهذا طبيعي ومشجع، ولكنه شيء لم أعثر عليه قط. ظللت أحفر نفس الحفرة لسنوات. لذلك لا يقدم مستر قصيدة نثر الصغير[xii] الآن أفكارا تثير اهتمام أحد. فأفكاره لم تتغير على مدار السنين لأنه لم يكن ثمة ما يمكن أن يتغير أيضا، وذلك لنقص الأفكار نفسها. ليس هناك سوى الكتابة، والتي أعترف أني لا أعرف عنها إلا أقل القليل. ولكن ربما يكون خير لي أنني لا أعرف. فهذا يتيح للمرء أن يعمل دونما توقعات. والأفضل أن نترك القصيدة تقوم بالتفكير بينما ننشغل نحن فيما سميناه بالحياة الشخصية.
الشعر الآن لسوء الحظ ناد اجتماعي. لم يعد يكفي المرء أن يكتب جيدا، إن كان يستطيع ذلك، بل ينبغي له أن يكون كائنا اجتماعيا. لعل الجزء الاجتماعي اليوم هو الجزء الأهم. وأنا لست اجتماعيا. بل إن المرء ليس بحاجة إلى أن يكتب جيدا جدا إن كان شخصا لذيذا وإن وجد له مهنة في عالم الكتابة. ولكن ذلك ليس بالمجال الملائم لناسك. هذا يلائمه أكثر أن يزرع عيش الغراب في كهف أفكاره. مناجيا الوطاويط التي تعيش في برج كنيسة مشخصن.

جونسن: ولكن أليس من شأن العزلة المغالى فيها، أي بقاء المرء باستمرار وبلا انقطاع بصحبة نفسه، أن تنمي فيه الوعي الذاتي الذي تود لو تتجنبه؟
إدسن: والله إذا لم يكن هناك مفر من الوعي الذاتي، كما يقول المثل السائر، فحاول أن تستمتع به. ومع ذلك، فأفضل مقطوعاتي هي التي تبدو كما لو كان كاتبها شخصا آخر أو شيئا آخر. لا أعني بالضبط "الكتابة الآلية" أو "تيار الوعي". بل الكتابة بطريقة تجعل المرء يحلم وهو في منتهى اليقظة. أن يكون قادرا على النقد (وهذا دور المحرر الجيد) لحظة يبدأ العمل في التشكل على الصفحة. هو نوع من الكتابة يحتاج ـ بمعنى من المعاني ـ أن تكون مرتبا ومحكما إذ لا حدود له. وليس ثمة إلا حيز لأجزاء العمل. فالكاتب بحاجة إلى الشجاعة اللازمة "لإسقاط خامة جيدة لصالح الحركة السيكولوجية للقصيدة. ويقع خطأ آخر مع الكاتب الذي لا يثق في خياله فيقوم بالكثير من التهيئة والتجهيز للمشهد. فتكون النتيجة: لغة أكثر مما ينبغي تطارد أفكار أقل مما ينبغي. لا تنس، الكلمات عدو الشعر.

جونسن: وحينما تذكر الكتابة الآلية، والتفكير الحالم، لا أملك إلا أن أفكر في السريالية. يُعتقد أنك سريالي، ولكن يبدو من أقوالك فيما سبق أنك ترى فارقا واضحا بين عملية الكتابة عندك والطريقة التي كتب بها شخص مثل أندريه بريتون Andre Bréton. في كل فصل دراسي، أواجه مشكلة مع بعض الطلبة الذين يقرأون قصائد النثر السريالية فيدافعون عن التصوير العشوائي في قصائدهم الضعيفة بأن يذكرونني بنظرية بريتون القائلة بالكتابة الآلية. ويقولون إنني لا أفهم قصائدهم لأنني لا ينبغي أن أفهمها. ويدفعون بأنهم ـ شأن السرياليين الأصليين ـ يكتبون ضد العقلانية، ضد المنطق.
إدسن: طلبتك الذين يستندون إلى بريتون وقوله بالكتابة الآلية واقعون في وهم أن كل شيء يمر. والواقع أن هذا لا يحدث. فأي مقطوعة كتابية لا ينبغي فقط أن تتحلى بمنطق اللغة، بل بمنطق التركيب. الكتابة الآلية لا تبدأ من أي مكان، ولا تنتهي إلى أي مكان. إنها أشبه بجهاز هضمي بلا فم ولا إست. القصيدة شيء ذهني يحتاج إلى أفضل قدرات المرء الذهنية. ونحن نبرع في عملنا حينما يكون عقلنا وخيالنا في تناغم أثناء الكتابة. ولكنني أحب أن أفر بسرعة شديدة قبل أن أخرب ما أكتبه بالتفكير فيه. وهذه ليست الكتابة الآلية. بل هي البحث عن شكل للتفكير بدلا من البحث عن دقائق الحكاية الصغيرة. ثم لماذا ينبغي أن يقال عنا سرياليين؟ بريتون لم يخترع لنا خيالنا.

جونسن: ماذا تقصد بشكل للتفكير؟
إدسن: شيء له علاقة بالنزاع المجرد بين الواقع وعضو الواقع (المخ). أعني أنني لا أستطيع أن أعتدي على منطق النثر. فمقطوعاتي، حينما تكون ناجحة، وبرغم احتشادها بوقائع غريبة، تنتصر في نزاعها مع الفوضى من خلال منطق اللغة والكلية التركيبية. ولذلك فإن قصيدتي النثرية المثالية هي عمل صغير مكتمل، منطقي كل المنطقية داخل جنونه الخاص. وهذا مختلف عن السريالية التي غالبا ما تتناول العادي فتغربه، وتتركه كذلك.

جونسن: وكيف يتأتى للتفكير الحالم أن يقوم بدوره هنا؟
إدسن: الحلم اليقظ كما أسميه يعني أن تكون في تمام الوعي وأنت داخل إلى اللاوعي أو العقل الحالم. هذا ما يفعله أي كاتب مبدع. وهذا ما فعله الكتاب قرونا قبل أن يتعثر بريتون في فرويد. أي شيء يبو غريبا بعض الشيء يوضع تحت لافتة السريالية. وكثير جدا من القصائد التي توصف بالسريالية هي قصائد مزيفة، وهي محاولات واعية جدا لاصطناع الغرابة.  لقد كنت ولا أزال أرغب في تولي قضية الواقع. والمثال الجيد على ذلك تجده عند كافكا، الذي استكشف عالم الحلم المتضخم، وبقي مع ذلك قادرا أن ينقله إلينا بلغة منطقية معقولة. اللغة عقل. ونحن جميعا نترنح على حافة الحلم واللاوعي. وفي ادعاء الجنون إهانة لكل من المجانين فعليا، ولمن يناضلون منا من أجل الواقع. الأحلام ـ مهما بلغت عبثيتها وغرابتها ـ يمكن تصديقها لأنها تترك إحساسا فيزيقيا. وهذه نفس العملية الإبداعية الموجودة في القصائد. الفارق الضخم هو أن الأحلام، جميعها تقريبا، بلا لغة. ومع ذلك فالقصيدة والحلم ينبعان من مكان واحد. هو مكان الصورة والإيماءة. وذلك ما يجعل من القصيدة تناقضا معجزا. وذلك أيضا ما يجعل كتابتها فعلا عاقلا، تفكيرا بالمخ كله. اللغة وعي، ولكن مصدر الإبداع ليس كذلك. الأمر كله مسألة حلم يقظ. ومرة أخرى، مسألة تفكير بالمخ كله. وهذا على الأقل ما انتهيت إليه من كتابتي. فهي تأتي فعلا من الحدس أكثر مما تأتي من التكنيك.

جونسن: من المؤكد أنك تبدو لي سرياليا جديدا  neo-surrealist.
إدسن: ماشي، يعني أنا سريالي جديد. على كل حال، أحسن من أن أكون فاشيا جديدا. أنا أي شيء جديد، وذلك ليس راجعا إلى تصميمي، بل لأن هناك هفوة، حدثت لي في البداية، فنتج عنها شغف ـ ينقصه التركيز ـ بالفنون. على المرء أن يعترف بأن برتون كان محقا في رؤيته لأهمية التفكير الحالم. إنه مصدر الطاقة الإبداعية. أظن أن كل المشتغلين بالفنون في كل زمان يمرون بهذا سواء عرفوا أم لم يعرفوا. ولكن، كما ذكرت فيما سبق، هناك سر صغير قذر يخص الأحلام: أنها غالبا، إن لم يكن دائما، بلا ألفاظ. الأحلام تبدع أعمالها بالليل بلغة من العلامات والصور والإيماءات والاستعارة، في عرض صامت. والعقل الباطن لا يجيد الكلام بلغة الوعي. ولذلك فإن محاولة وضع الأحلام في ألفاظ أشبه بمحاولة ترجمة لوحة إلى ألفاظ. وهنا تكمن صعوبة الشعر، حيث الشاعر مرغم على أن يبدع باللغة شيئا لا لغة له. الحلم اليقظ كما سميته يعني أن تكون في منتهى الوعي بينما أنت في الوقتنفسه تحلم. ألا تروح في النوم أثناء العمل، بل تكون عينك واعية للتأليف، عين محرر يقظ. أما الجنون فهو دائما سهل المنال، ولذلك فإنني أحاول فرض النظام على الصفحة. والمجنون لا يدرك هذا الحد بين اللاوعي والوعي، فينتهي إلى ضحك متجمد. ولعل ذلك هو الذي كان ينشد فيه السرياليون سبيلا إلى عصر جديد.

جونسن: كل هذا جيد وحسن، ولكن ما الذي تقوله لتلميذ يقول "أنا أحب قصائد إدسن الغريبة، ولكن ما معناها؟"
إدسن: لا أعرف بالضبط. ولا أحتاج أن أعرف. فأنا ـ كما أسلفت ـ أكثر اهتماما بقالب الفكرة مني بالفكرة الفعلية. القصيدة تحسِن التفكير. ولذلك فقصيدة النثر تود أن تصنع منطقا ماديا غريبا بعض الغرابة. هي مسألة بساطة، مسألة قدرة على التفكير بطريقة مادية. بإيماءة تفوق الكلمة. أما الواقع والمعنى فليذهبا إلى الجحيم. ما يجده الكاتب على الصفحة هو وحده هسيس المعني الهامس اليابس. وهذا هو الذي يجعل الكتابة الأكثر بشرية بين الفنون. ليس على المرء أن يفسر للقارئ أي شيء. أسلوبي يتمثل في اقتناص ما يبدو لاعقلانيا لأخرج منه بشيء عقلاني. أن أدخل إلى العقل من باب العقل الخلفي. وما لم يكن المرء واصفا شيئا مختلفا بالكلية عما يعرفه المرء في العالم، يكون الوصف قاتلا لقصيدة النثر. لقد أصبت أنت حينما قلت مرة إن قصيدة النثر كلها هي الاستعارة. فليس ذلك فقط بالمعنى الشكلي، بل بمعنى الفن الرفيع أيضا (الحرفة، الصنعة). الفن الذي يسخر من نفسه لغرض بالغ الجدية. أنا لم أحب يوما مصطلح "الكتابة التجريبية" ولكن ما قصيدة النثر إذا لم تكن كتابة تجريبية؟ إنني وقد كتبت بعض منها لا زلت لا أعرف كيف تتم كتابتها.

جونسن: برغم سخافة تقصي الرموز أو البحث عن تطابقات معينة في أعمالك، أظل أرى نوعا من الإحالات في هذه الأعمال. اختصارا، أجد نوعا ما من المعنى، حتى بأوسع معاني الكلمة. تأمل "الشيء الكبير"، تتبع قالب فكرتها، لقد رأى أحد طلبتي فيها نظرة كوميدية على اللايقين أو اللاستقرار، أو بارودي لعملية التفكير.
إدسن: هذا مرة أخرى سؤال الأهجية، ومرة أخرى هو ممكن. ولكن كما أقول، أنا أكتب للمتعة، لا لتغيير الآخرين. أنا لا أعرف ماذا يكون "الشيء الكبير"، أو حتى ما يعنيه. حركته دخولا إلى القصيدة وخروجا منها لها سببها المنطقي الخاص. أنا أكتب كقارئ، دون أن أعرف ما الذي سيقوله الكاتب من بعد. القصيدة بسيطة وغامضة، شأنها شأن المتحدث في القصيدة، ذلك الذي لا يُعرَف إلا بوصفه "شخصا". هذه فعلا هي الطريقة التي أحبها في الكتابة. شيء ما مجرد في حالة حركة بشروطه الخاصة. ربما يجدر بنا هنا أن نلاحظ مدى استمتاع الأطفال بلعبة بيكابو peekaboo  الشهيرة[xiii]، التي تبدأ بإحساس بالفقد، وسرعان ما يتحقق الارتياح برجوع [وجه] الأم. القبطان يتبنى طريقة أخرى. إنه المتكلم في قصائده. قصائده ذات غرض، كُتبت لتفعل أمورا، فهي تعليمات أخلاقية، ودراسات في الطبيعة جميلةُ الكتابة تصور الشاعر مراقبا حساسا يقظا للأشياء التي قد تغيب عن كثير منا[xiv]. هو قصائده. أما أنا في المقابل فلا أريد أن أفعل شيئا بما أكتب إلا متعة كتابته. الكتابة عندي حياة أخرى تعاش في مكان آخر، خلق اصطناعي مهندَس على هيأة حلم.
تشارلز سيميك تكلم عن هذا في تقديمه لعدد قديم من مجلة "نظم verse" مخصص لقصيدة النثر حيث قال إن "البعض يصلي للرب، أما أنا فأصلي للصدفة عساها تبين لي سبيلا للخروج من السجن الذي أسميه ذاتي". أفهم بصورة شخصية للغاية ما يعنيه. المرء يحتاج أحيانا إلى إجازة من فكرة ذاته. قصيدة النثر موقع مثالي لقضاء هذه الإجازة. ولقد ظللت سنين أتردد عليه.

جونسن: برغم صعوبة تخيل بلاي يكتب قصيدة دون أن تكون لديه نظرية لها، إلا أنه ينجح ـ لا سيما في قصائده النثرية التي جمعها في كتابه " أي شيء إذن ضيع الموت مني؟ ـ في تحقيق إطلاقية معينة. بعبارة أخرى، نظرياته لا تحطم عادة دافعه المهيمن إلى الفرار من الذاتية إلى الشيء. شعراء اللغة أيضا يجاهدون بغية الهروب من الذاتية، ومع ذلك أرى أعماله بالغة الاختلاف عن أعمالك. قد أتصور أنهم ربما يكونون أكثر اهتماما بقالب الفكرة منهم بقالب الفكرة.
إدسن: أنا لسوء الحظ لا أعرف كتاب بلاي هذا على وجه التحديد. ولكن مهما تكن النظريات التي يبتكرها القبطان، وهو نظرياته كثيرة، فهي على أقل تقدير ممتعة وحافلة بالطاقة التخيلية وبالحماس العظيم الذي تجده في صبي داخل محل اللعب. وذلك أبعد ما يكون عن القساة المتعنتين المعروفين بشعراء اللغة، فهؤلاء أشبه برسامين لا يرسمون، لكنهم ينفقون أعمارهم يتشممون فراشيهم وحاملات لوحاتهم متصورين أن فجر عصر جديد يوشك أن ينبلج.

جونسن: ومع ذلك فكثير من قصائد "ما يمكن لرجل أن يرى" (الصادر عام 1969) تستشرف تجارب شعراء اللغة اللغوية، انظر إلى هذه الفقرات القليلة من ذلك الكتاب:
رجل قال استاكوزا عندما كانت في بيتٍ سلةٌ، بداخلها طفل يأكل برتقالة ليُسعِد السقف، أو يحلمَ، أو يموتَ.
كانت هناك برتقالة في سلة الفواكه ورأت حلما، حلمت البرتقالة أنه في سن البلوغ تكون الحياة جميلة وقتما تكون.
رجل قال استاكوزا عندما كانت في بيت سلة، إلى أن أزالها سرًّا عملاء للتمثال الواقف في هدوء في الميدان.
السقف وقد سعد أصابته التعاسة ثم أصابته السعادة من جديد.
أن تقول استاكوزا عندما لا تكون في بيت سلة هو أن تقول استاكوزا عندما لا تكون في بيت سلة، وهو لم يشأ أن يقول استاكوزا عندما لم تكن في بيت سلة [...]
(من قصيدة "كان هناك")
كان هناك شخص كما يُرى في مرآة، أم ترى أنت قلت كان هناك شخص يَرى شخصه الذي في مرآةٍ ربما لا يعيش فيها غير شخص.
شخص ليس في المقعد لكنه جزء من حيث، من حيث منضدة ومربع أزرق هو شباك وشيء من سماء
ولا المقعد شخص على حجره شخص [...]
(من قصيدة "It")
في هذه الفقرات أرى اللعب اللغوي، والاستنباط الخلفي[xv]، والاعتماد على الكناية والمجاز المرسل؟ اللذين يرتبطان في تصوري بكثير من شعر اللغة. سؤالان: (1) ما ردك على ملاحظاتي حول هذا الكتاب؟ (2) ما الذي جعلك تتوقف عن هذا اللون من التجريب؟ ألانه من الواضح أن "ما يمكن لرجل أن يرى" يمثل شذوذا وسط أعمال راسل إدسن؟
إدسن: الكناية؟ المجاز المرسل؟ أنت تمنحني الكثير من الشرف. الواقع أن هذا الكتاب كتب قبل سنوات كثيرة من تاريخ نشره. أعرف أن هذا يبدو غريبا، ولكن يجوز أن يفعل المرء بعض الأشياء لمزاجه. كانت الحركات [الشعرية] تضجرني. فغالبا ما يقوم بها من يحتاجون إلى مظلات حتى والدنيا لا تمطر، صغار الماركسيين الجادين بمانيفستواتهم وسجقهم "الجديد". ما يمكن لرجل أن يرى ليس شذوذا. الآخرون يكتبون الشذوذ. أما أنا فأكتب دائما ما يكون في وقت الكتابة بحاجة إلى الكتابة. الأمر الأساسي هو الشهوة الإبداعية، الحاجة الملحة إلى صنع شيء. بعد ذلك تأتي النظرية، بعد فوات الأوان. وبهذا المعنى يصبح العمل إذ يكتمل هو نفسه النظرية. طبعا رأيت فيما بعد آخرين يجربون هذا الطريق، وتمنيت أن يروا أن مثل هذه الكتابة لم تفض إلى أكثر من شم الفراشي وحاملات اللوحات، والبحث عن بغي المعاني مهما تكن.

جونسن: عندما هجرت التجريب اللغوي الراديكالي بعد "ما يمكن لرجل أن يرى"، تبدو أعمالك أكثر انسياقا وراء المضمون، ويبدو أنك بت راضيا بطريقة معينة ومعروفة في الكتابة. فنحن نعرف قصيدة إدسن حينما نراها. يمكنني أن أذكر كتَّابا آخرين يسهل التعرف على أساليبهم: شتاين وهمنجواي على سبيل المثال. تلك أساليب يسهل إنتاج بارودي لها، وبعض أسوأ أعمال شتاين وهمنجواي يقرأ كما لو كان بارودي لافضل أعمال همنجواي وشتاين. وأنا أسمع كثيرا من الناس يقولون إن أعمالك في بعض الأحيان تكون مكشوفة ومتوقعة أكثر مما ينبغي لأنك تعتمد على نفس وصفة ديك وجين[xvi]. ما ردك على هذا النقد؟
إدسن: قرأت بارودي لأعمالي. وغالبا ما تكون بمثل جودة ما أفعله أو أفضل. وكما قلت، كل من يشاء أن يكتب مثل إدسن فبوسعه أن يكتب مثل إدسن. أنا نفسي أفعل هذا طول الوقت. الشاعر التشيكي الشهير، د. ميروسلاف هولوب[xvii]، وهو أيضا عالم في الطب، يجدني معديا، ويقول إنه حينما يقرأ راسل إدسن يصبح هو نفسه راسل إدسن. وهو طبعا يفهم أن هذه ليست فكرة جيدة. وأنا من واقع تجربتي الشخصية شاهد على صحة هذا. د. هولوب يمكن أن يهرب من راسل إدسن إن شاء. أما أنا فواقع في الشرك، حسب ما قال القبطان مرة.
هذا الـ راسل إدسن، يقدّر أكثر ما يقدر من اللغة أدوات التعريف والتنكير، وذلك جزء من متاعه. يراها أجمل ما في اللغة. ويحصي منها ثلاثة (a, an, the) ولكن قد يكون هناك أكثر. وهو لا يزال ينظر. ومع أنه يفضل أداتي التنكير، إلا أنه يحبها جميعا، ويحب طريقتها في تشييئ العالم. ولو كان بيده لكتب فقط بهذه الكلمات الجميلة. ولكن ما الذي يمكن فعله ـ بدون نظام ثابت ـ بكلمات ثلاثة فقط؟ ولهذا فهو في حالة بحث دائم عن أدوات إنجليزية أخرى للتعريف والتنكير؟
ووضع الناقد الكاتبَ أمام نفسه يعد دائما تسلية طيبة.  ذلك مثل لعبة الاستغماية حيث يجد الكاتب نفسه مهصورا في قفص صغير من وصف الناقد بينما الناقد ينخسه من خلال القضبان.  
أنا عمري ما رأيت عيبا في ديك وجين. قد يقول البعض، وهذا هو العيب فيك أنت. فأرد عليهم قائلا وأنا أيضا لا يعيبني شيء، فليس بي عيب، وليس بي أيضا صواب، اللهم إلا أساليبي. ومن جديد أقول إن كل هذا جزء من متاع راسل إدسن. والحداثة بالمناسبة هي مرض كل من يوصفون بالطليعية.

جونسن: ذكرت بلاي. كيف كان الحال في السبعينيات عندما كنت أنت وبلاي وتيت[xviii] وآخرون تكتبون قصائد نثر؟ هل كان بينكم حوار عن هذا القالب؟ كيف تعرفت عليهم؟
إدسن: في ذلك الوقت، كما لعلك تعلم، كانت قصائد النثر غير شرعية. جيم والقبطان وأنا بدأنا نلتقي في السر، ولا نلتقي مرتين أبدا في مكان واحد تخوفا من شرطة الشعر. كان عهد اندفاع، فجأة بات العالم كله جديدا، كانت مكنة الطيران الأثقل من الهواء قد اخترعت للتو، وإيفل كان يقيم برجا من الحديد، لكنني نسيت أين كان يبنيه، ولكن بدا أن كل شيء كان يتفتح دفعة واحدة، بينما كنا نحن نهندس المستقبل الأدبي لأمريكا. كنا جميعا مراهقين، وهذا يفسر إيماننا بالمستقبل. كنا رائين مراهقين.
بعد أمسيات طويلة من الكلام عن قصيدة النثر، كنا نسترخي ونحن نحاول أن نخمن شخصية ذلك العميل السري الذي يكتب كل هذا الذي تنشره مجلات الشعر. كان كل ذلك المنشور يبدو نتاج جحش واحد. ولم نتوصل إليه قط. ولكن، شأن جميع جرائم القتل الغامضة، تبقى الملفات مفتوحة.

جونسن: وما قولك في قضية أخرى لا يزال ملفها مفتوحا، وأعني قضية تشارلز سيميك؟ هل أدهشتك قصائده النثرية حينما بدأت تظهر في المجلات الصغيرة؟ شعره النثري في "العالم لا ينتهي" يبدو شديد الاختلاف عما سبق أن نشره شعراء النثر الأمريكيون. أعرف أنك وتشارلي صديقان. هل تكلم معك عن تحوله الفجائي إلى قصيدة النثر؟
إدسن: تبدو عبارة "التحول إلى قصيدة النثر" أشبه بحدث ديني. شوف، تبدو قصائد النثر سهلة لسبب واحد، هو أنها كذلك. الأصعب فيها بالنسبة لمن يريدون كتابتها هو قبولهم بمدى السهولة التي يريدون أن يكتبوا بها، وشجاعة الكتابة بالرغم من هذه السهولة.
بالنسبة لقصائد تشارلي النثرية، فقد اتصل بي ذات ليلة عن طريق التليباثي طالبا مباركتي الاستطيقية. فأكدت له عبر التليباثي أنه دائما ما ينعم ببركاتي، وأكثر. ووضحت له أن الانحناءة التليباثية قد لا تكون كافية، وأن عليه ربما أن يصفي الأمر مع جيم تيت، لمزيد من الاطمئنان. وهكذا كان "العالم لا ينتهي". ربما يكون الكتاب نتيجة انهيار عصبي جمالي. وكثير من قصائد النثر الجيدة تظهر من الحاجة إلى العثور على الشعر مرة أخرى بالطريقة التي كان يتم بها في الأصل العثور عليه. وشارلي شاعر أصيل. وليس ثمة إلا القليل منا نحن الشعراء الأصيلين.

جونسن: أرى أنك أنت وسيميك بالأساس كاتبان كوميديان. أنت كتبت مرة تقول إن "قصيدة النثر التي تخلو من شيء من الطرافة هي عمل مسطح ناقص وليس فيها من الحياة أكثر مما في قائمة طلبات البيت". أولا، هل ترى أن قصيدة النثر بطبيعتها تميل إلى الفكاهة؟ ثانيا، كيف تحكم ـ برغم أنني أعرف أن هذا الفعل لن يعجبك ـ على كتب كثيرة من شعر النثر ليست كوميدية؟ لقد قرأت كتب شعر نثر كثيرة جدا وجيدة جدا برغم أنها مقبضة جدا. هل غيرت رأيك في علاقة شعر النثر بالكوميديا، نظرا للتطور الكبير الذي حدث لقصيدة النثر منذ  عام 1980 الذي قلت فيه قولك ذلك؟
إدسن: ومن قال إن ثمة ما يعيب قصيدة النثر الحزينة طالما هي طريفة؟ جوهر الطرافة هو الجوهر الحق للتراجيديا. فالطرافة هي المحك. بمعنى أن تكون قصيدة النثر نقدا لفعل الكتابة ذاته، بل إنها على الأرجح تندهش إذ ترى شخصا يكتبها، وهي في الغالب تنفجر في الضحك كلما ترى نفسها على الصفحة.
أما الشعر فأمر بالغ الجدية.

جونسن: حينما أتكلم معك عن كتابتك وكتابة سيميك وبلاي وأفكر في الكم الكبير من الشعراء الذين تأثروا بكم، أجدني أفكر أيضا في شعراء مثل رامبو وبودلير وهما اللذان بدءا الحكاية كلها، علاوة على ذكرك أيضا لكافكا. هل هناك أي كاتب كان له تأثير عليك؟
إدسن: لو أن للتأثير أي معنى إيجابي فهو أنه في حقيقته تصريح من نوع ما، تصريح لنا بأن نفتح شيئا ما في أنفسنا. التأثير موجود، ولكن علينا أن نتعلم كيف نتعرف عليه. يرى المرء إعلانا في التليفزيون، أو يقرأ شيئا في جريدة، أو ربما يرى سحابة شكلها غريب، فيكون ذلك إشارة إلى قدرة ما لدى المرء.
أعتقد أن صاحب أكبر تأثير عليَّ كان راسل إدسن. رغم أنني لم أفهم قط فهما تاما ما الذي كان يفعله، ولكنه كان يفعل شيئا فيلهمني الإحساس بإمكانية الخروج بأشياء من اللاشيء تقريبا. وهذا إحساس خلاق جدا، أنك قادر بالانطلاق من الصفر تقريبا على صنع شيء يكون على أقل تقدير تافها. وأحيانا يكون الشيء بطريقة أو بأخرى أهم من تافه. ولكن التافه لا بأس به. هو على الأقل أكثر من صفر العدم. الناس عادة يطمحون إلى أكثر مما يحتاجون إليه، بينما هم في النهاية يتحولون إلى مجرد جثة أخرى تنتمي إلى النظام البيئي.

جونسن: طيب، بعبارة أخرى، من الذي يقرأ له إدسن حينما يلبس ثياب النوم، وطاقية النوم،والشبشب،  والبراشوت ويهوي إلى مقعده الوثير؟
إدسن: أقرأ أقل قدر ممكن. القراءة إجازة سائق الأتوبيس. قد يكون الأدب أقل الفنون جاذبية. ولكنه الأكثر بشرية والأكثر إزعاجا. وأنا أحب أن أقرأ ـ كلما أتيح لي الاختيار ـ المواد العلمية المكتوبة للقارئ العادي. أحب أن أفكر في البدايات، في "الانفجار الكبير" الذي ربما يكون قد حدث لشيء أصغر من الذرة، أو لعله حدث للاشيء على الإطلاق. أحاول أن أستوعبه عاطفيا، لأن عقلي لا يستطيع أن يتعامل معه.

جونسن: أهذا سبب سخريتك من الفيزياء والفلك في قصائد مثل "المادة" و"الجانب المعتم من القمر". يبدو شعرك النثري متشككا في المعادلات الرياضية والفلسفية التي تحاول أن تمنطق الأشياء. لا يمكنني أن أراك مؤمنا بسلسلة الوجود العظيمة[xix] ما لم تكن معتزما أن تربط بها قردا.
إدسن: بل هي طريقتي في إبداء غرامي بالأشياء. فلو كانت توفرت لي القدرة العقلية والتدريب اللازم لآثرت العمل في مجال العلم على أي شيء آخر فعلته في حياتي. ولن أكون أول قائل بأن الفيزياء هي رائعة القرن العشرين. في قصيدة "الجانب المعتم من القمر" اخترعت بحرا جديدا، ولم يشكك أحد في وجوده، وبهذا أكون أضفت شيئا إلى أطلس القمر.

جونسن: أخيرا، سمعتك تلقي مرتين، وفي كلتنا المرتين استمتعت بقدرتك على الارتجال. تمتلك إحساسا بالزمن لا يكاد يتوفر إلى لدى ممثلي الكوميديا. بماذا تنصح الشاعر، لا سيما الشاعر الكوميدي؟ إذ أنه إحساس رهيب أن تلقي قصيدة طريفة على جمهور يتوقع أن يشاهد قلبا ينزف بغزارة.
إدسن: ربما لا توجد أحداث ثقافية أكثر إملالا من الأمسيات الشعرية، وذلك يرجع ـ وليس إلى حد صغير ـ إلى حقيقة أن كثيرا من هذه الأمسيات تقدم شعراء جادين يتلون أناشيد للمشاعر الطافحة من آباطهم. لا أكاد أستطيع أن أتصور شيئا أشد سوقية وابتذالا من أحشاء شاعر اعترافي تنز من رجل بنطلونه. ولكن الأسوأ من هذه الانتهاكات ما تجده من اصطناع رهيب ونوادر رخيصة تقال لتستند إليها قصائد لا معنى لها.
ومع ذلك، فهناك عدد قليل من التقنيات التي يمكن أن تنفع المبتدئ الخجول في استدرار تعاطف الجمهور. ومن أفضل الاستراتيجيات على الإطلاق التظاهر بالجنون التام. فإن تبين أن هذا يقتضي قدرا كبيرا من البراعة والحرفية لا يملكهما المبتدئ، فعليه بالثأثأة إذ هي خيار آخر جيد. ففكرة قيام شخص ذي عيب واضح في النطق بمواجهة الجمهور قد تكون مؤثرة، لا سيما بالنسبة لأشخاص يقضون نزهة ثقافية. ولا مانع من بعض التجشؤات ـ بشرط إحسان اختيار مواضعها ـ مع التظاهر ببعض التقيؤات البسيطة.

نشرت ترجمة هذا الحوار في العدد الرابع والستين من مجلة نزوى ويعاد نشرها هنا بعد أيام من رحيل إدسن.





[i] روبرت بينسكي Robert Pinsky (1940 ـ ) له العديد من الكتب الشعرية والنثرية، كم أنه له ترجمات مهمة إلى الإنجليزية. كان أميرا لشعراء الولايات المتحدة مستشارا شعريا لمكتبة الكونجرس في الفترة بين عامي 1997 و2000
[ii]  أفضل الشعر الأمريكي أو The Best American Poetry سلسلة سنوية محررها الثابت هو الشاعر ديفيد ليمان David Lehman تقوم على اختيار شاعر أمريكي بارز يقوم باختيار الأفضل مما تنشره الصحف والمجلات الأمريكية على مدار عام
[iii]  بدأت مجلة "قصيدة النثر جريدة دولية" في الصدور عام 1992 كأنطولوجيا للشعر النثري العالمي. رأس تحريرها بيتر جونسن Peter Johnson (1951 ـ ) أستاذ اللغة الإنجليزية بكلية بروفيدنس، وصدرت منها تسعة أعداد على مدار العقد التالي، وكان العدد الأخير منها عبارة عن مختارات من أفضل ما نشر فيها، وصدر هذا عام 2000 عن كلية بروفيدنس ومطبعة وايت باين.
[iv] صدرت مختارات موسعة منه في العدد  الثامن والأربعين من هذه المجلة
[v]  ناعومي شهاب ناي Naomi Shihab Nye  (1952 ـ ) شاعرة أمريكية من أصل فلسطيني
[vi] دبليو إس مرون W. S. Merwin (1927) هو أمير الشعراء الأمريكيين الحاليين 2010/2010
[vii] روبرت هاس Robert Hass (1941 ـ ) له العديد من الدواوين والترجمات المهمة إلى الإنجليزية (تشيسلاف مييوش على سبيل المثال) وكان أميرا لشعراء الولايات المتحدة في الفترة بين عامي 1995 و1997
[viii]  العبارة الشهيرة لوليم شكسبير من المشهد الثاني في الفصل الثاني من مسرحيته "روميو وجولييت" حيث تقول جولييت: ليس لي خصم سوى اسمك ... وما الذي في الاسم؟ وما نسميه وردة سوف يفوح بأعذب الروائح مهما يكن اسمه".
[ix]  جرترود شتاين Gertrude Stein (1846 ـ 1974) شاعرة أمريكية لها ديوان يعد من أوائل أعمال الشعر النثري الأمريكي عنوانه Tender Buttons أو "أزهار حنون" والعبارة التي نأمل أن نكون أحسنا ترجمتها تقول "a rose is a rose is a rose " والتي يمكن ترجمتها حرفيا إلى "الوردة هي الوردة هي الوردة"
[x] كل هذه الأسماء، علاوة على أسماء أخرى، أشهرها الآن الـ flash fiction أو الـ ff ويعرب بالقص البارق أو القصة الومضة هو لنمط من القص شديد الإيجاز لا يتجاوز الفقرات القليلة وأتصور أن أغلب القصص القصيرة العربية قد تبدو عند ترجمتها إلى الإنجليزية أو نشرها في الولايات المتحدة تنويعات على هذا الاتجاه، فالقصة الأمريكة القصيرة في الغالب تتكون من بضعة آلاف كلمة، فهي بذلك أطول بكثير من أغلب ما وصلنا من القصص القصيرة الأوربية والروسية ـ كما عند تشيكوف بالذات ـ لدرجة أن بعضها قد يبدو للقارئ العربي أقرب إلى النوفيلا.
[xi]  روبرت بلاي  Robert Bly آآآآآ(1926 _) له أكثر من ثلاثين ديوانا، إضافة إلى عدد كبير من الكتب الشعرية المترجمة، وهو أيضا مؤسس عدد من المجلات الشعرية
[xii]  Mr. Little Prose Poem هكذا يحب إدسن أن يدلل نفسه
[xiii]  لعبة تلعب مع الأطفال الرضع، وفيها يقوم اللاعب الأكبر سنا ـ الأم مثلا ـ بإخفاء وجهه، ثم إظهاره بسرعة قائلا "بيكابو" متبعا إياها في بعض الأحيان بقوله "أنا شايفك". يرى علماء النفس التطوري أن هذه اللعبة تبين عجز الأطفال الرضع عن فهم ديمومة الأشياء، والمقصود بديمومة الأشياء هو إدراك أن الأشياء تبقى موجودة حتى لو تعذرت رؤيتها أو سماع صوتها، أو لمسها. ويعد إدراك ديمومة الأشياء ـ ويكون في الشهرين الثامن والتاسع ـ مرحلة مهمة في التطور المعرفي لدى الأطفال الرضع. عن ويكبديا

[xiv] هنا تلميح إلى قصيدة الشيء التي اشتهر بها روبرت بلاي حيث أنه خصص جملة من قصائده النثرية للكتابة عن أشياء في العالم ظن أنها تستحق التماهي معها، بغية إدراك سرائرها، وكانت هذه القصائد من البراعة حتى أصبح في أدبيات النقد الأمريكي ما يعرف بقصيدة الشيء Object Poem. كان بلاي يسعى إلى الكتابة عن شيء ما ـ كقطعة صغيرة من الفحم، أو قوقعة، أو ثمرة بطاطس ـ دون أن يحمِّله من مشاعره البشرية ما لا يملك برهانا على وجودها فيه. غير أن فعل الكتابة نفسه بيَّن لبلاي أن مسعاه ذلك مستحيل، وأن عدم إسقاط ذاته على الشيء الذي يكتبه أمر عسير المنال؛ فلم يكن منه إلا أن قدَّم لديوان له بقوله: "إن في رغباتنا وإحباطاتنا من الجوع ما يجعلها تبتلع سمكة أو شجيرة قطن جوفاء. أم ترى ما يكمن فينا من رغبات وعنف وغضب هو كامن بالمثل في هذه السمكة من قبل أن ندنو إليها. إننا نعمل دائما ونحن نكتب ’قصيدة الشيء’ على تحييد اللغة الشعرية، لكي لا يتلاشى الشيء لحساب هذه اللغة ولحساب هذه الصور الشعرية البشرية... ولكن بوسعنا القول إن الروح التي تصدر عنها هذه اللغة الشعرية هي روح تنتمي إلى الطبيعة انتماء حبة أرز أو سنديانة". ويا له من حل جمالي تبريري أيضا!! في إحدى قصائد الشيء التي كتبها بلاي، نجد شجيرة قطن جوفاء، تنظر فيها ذاتٌ ما فترى معابد، وترى جدران تلك المعابد، وترى إلى أي مدى كان يهتم بُناةُ تلك الجدران بالتفاصيل والزخارف. فما علاقة كل ذلك بشجيرة قطن لعلها لا تعرف أصلا أن اسمها "شجيرة قطن"، لا توجد ـ في ظني ـ من علاقة إلا التي يقترحها بلاي: علاقة انتماء كلٍّ من الشجيرة من ناحية، والروح الكامنة وراء القصيدة من ناحية أخرى، إلى طبيعة واحدة!
[xv]  الاستنباط الخلفي the non-sequiturs ، هو استنباط أو استنتاج غير متفق مع مقدماته ـ المورد. وفي ويكبديا أنه "أداة أدبية مثيرة للجدل، غالبا ما تستخدم لأغراض كوميدية. وهو عبارة عن تعليق يبدو ـ بسبب انقطاع الصلة بينه وبين ما يليه ـ عبثيا، ويبدو مضحكا ومربكا، كما في الحوار التالي:
س: ما عدد الفنانين السرياليين اللازم لتغيير مصباح؟
ج ـ سمكة

Dick-and-Jane  [xvi] ديك وجين هما الشخصيتان الرئيسيتان في سلسلة كتب تعليمية راجت في الولايات المتحدة منذ الثلاثينيات وحتى السبعينيات من القرن الماضي ـ ويكبديا ـ  فهما أقرب إلى شخصيتي "عمر وأمل"  في اكتب الأطفال التعليمية في مصر
[xvii] ميروسلاف هولوب Miroslav Holub  (1923-1998) شاعر تشيكي وعالم متخصص في المناعة

[xviii] جيمس تيت James Tate (1943 ـ ) له كتب مهمة في شعر النثر إضافة إلى تحققه من خلال الشعر الحر أيضا، رأس لفترة أكاديمية الشعراء الأمريكيين.
[xix]  Scala natura عبارة لاتينية تعني حرفيا سلم الطبيعة لكنها غالبا مكا تترجم إلى الإنجليزية بعبارة "سلسلة الوجود العظيمة" the great chain of being وهو معتقد غربي مسيحي قروسطي يرتب ترتيبا هيراركيا صارما جميع أنماط الحياة التي خلقها الرب ويكبديا