الثلاثاء، 4 مارس، 2014

ما الذي يفعله المحرر؟

تعرّف "بيث هيل" بنفسها في صدر موقعها الإلكتروني بقولها إنني "أحب الكلمة المكتوبة، أحب قدرتنا على خلق العوالم والمشاعر في عبارات منتقاة، وأعتزم من خلال هذا الموقع أن أقدم نصائحي وأفكاري ودعمي للكتاب من جميع المستويات، مساعدةً لهم على إحكام قصصهم التي سيمتعون بها قراءهم، وذلك ما سينعكس عليكم معشر الكتاب رضا وامتلاء". ربما تكون هذه الكلمات والموقع كله وسيلة دعائية، تجتذب بها المحررة زبائن من شباب الكتاب، ولكن بوسعنا على أية حال أن نطل عبر هذا الموقع على هذه الوظيفة الغامضة: المحرر.
ما الذي يفعله المحرر؟
بيث هيل

من أكثر ما يستخدمه الناس من عبارات للبحث عن هذا الموقع، ثم للبحث فيه، عبارة نصها: "ما الذي يفعله المحرر؟"
ولا أعرف يقينا من الذي يبحث عن هذه المعلومات، ولا أعرف مصدر هذا السؤال، ولا أعرف يقينا كيف أجيبه.
أهو طالب في مدرسة ثانوية يبحث عن إجابة يضعها في بحث كلف به، أما ربما يفكر في التحرير كمهنة؟
أهو موظف يفكر في تغيير مساره المهني كله؟
أم ربما كاتبة تتساءل عما يمكن أن يقدمه المحرر لها، أم لعلها تبحث عن سبيل للوصول إلى محرر، أو تتساءل عن حدود المسئولية الموكولة إلى المحرر في دار النشر الجديدة التي بدأت تتعامل معها.
وبما أنني لا أعرف بالضبط ما المعلومات التي ينشدها الناس، فسأقدم من المعلومات ما يصلح بداية لأي أحد.
***
المحرر يصقل وينقّح، يوجّه تركيز القصة أو المقالة أو الفيلم [كلمة editor بالإنجليزية تعني محرر وتعني مونتير] في مسار معين. يحذف غير المناسب، وغير المتعلق بجوهر وغرض القصة. يعزز النقاط الأساسية، ويلفت النظر إلى المواضع التي ينبغي أن ينصب عليها اهتمام الجمهور.
تستعين مجالات كثيرة بالمحرر، كالسينما والفيديو والمجلة والجريدة والمدونة والكتاب سواء الخيالي منه أو غير الخيالي. والمهمة الموكولة إلى المحرر في كل هذه المجالات هي أن يضمن للمنتج الذي يقدمه أن يأتي على أفضل نحو ممكن وفقا للمتاح من الوقت والموارد.
قد يقضي المحرر السينمائي [أي المونتير] أسابيع في توليف فيلمه، وكذلك محرر الصوت. والمحرر حينما يعمل على تطوير كتاب غير خيالي قد يقضي عاما أو ما يزيد على عام وهو يتعاون مع مؤلف الكتاب. ومحرر الجريدة، سواء كان يعمل للنسخة الورقية أو الإلكترونية، قد يقضي إما دقائق معدودات أو ساعات في التحقق من خبر أو إعادة الاشتغال عليه.
ولأن موقعي هذا مخصص أساسا لمؤلفي الكتب ومحرريها، فسوف أقتصر هنا على خصائص التحرير المتعلقة بالمحررين الذين يصقلون الكلمة المكتوبة لا الذين يعملون في على السينما أو الفيديو أو الصوت.
وسترون  أن هناك تداخلا بين المصطلحات والأدوار، والسبب الرئيسي في هذا هو أنه ما من تعريف واحد للمحرر وما من تفسير بسيط لما يقوم به المحرر.
***
الصحف/المجلات
في الصحف والمجلات مستويات عديدة من المحررين:
المحرر الرئيسي [رئيس التحرير] وهو المسئول نوعية المحتوى الذي تقدمه الجريدة أو المجلة، وشكل المنتج، وطبيعة الأخبار والمقالات التي ينبغي كتابتها وعددها.
المحرر المدير [مدير التحرير] ويعمل تحت المحرر الرئيسي مباشرة ومسئوليته توجيه الكتاب إلى أخبار ومواضيع بعينها. وقد يكتب هو بعض الأخبار بنفسه. وقد يكون عمله مقصورا على قسم بعينه في جريدة (كالاقتصاد أو الموضة أو الأخبار المحلية). وقد يكتب هو العناوين أو يفوض غيره بكتابتها.

محرر النسخ  Copy editor: وهو المسئول عن تدقيق معلومات المقالة وضمان اتساقها مع المعايير الأسلوبية المتبعة في المجلة. كما أنه يتحقق من الهجاء والنحو والترقيم. قد يقترح أيضا تغيير بعض الكلمات ليحول دون استخدامها في الجريدة أو المجلة. قد يقدم إخراجا Layout للمقالات والإضافات الملحقة بها. وقد يقوم محررو النسخ بكتابة العناوين.
وبحسب حجم المجلة أو الجريدة ونطاق عملها، قد يقوم المحرر بمزيج من الوظائف المذكورة فيما سبق. فوظيفة المحرر في الجريدة أو المجلة هي التأكد من إنتاج مقالات مثيرة و/أو مفيدة في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة، دون أخطاء معلوماتية وبقدر أقل من الأخطاء اللغوية.
***
دار النشر
نرى هنا مرة أخرى أنماطا عديدة من المحررين.
المحرر الجاذب [Acquisitions editor]: ومهمته اجتذاب مؤلفين جدد والدفع بكتاب يعتقد أنهم سيحققون أرباحا للناشر. وهو غالبا ما يقاتل من أجل أن تقبل دار النشر بكاتب، لأنه ـ أي الناشر الجاذب ـ يتنافس مع محررين آخرين في جلب الكتّاب الجدد. والمعتاد أن يقوم الكتاب ـ أو وكلاؤهم ـ بتقديم المخطوطات إلى المحرر الجاذب. والمحرر الجاذب ـ لا سيما في حالة الكتب الخيالية ـ هو الذي يتابع المخطوطة منذ تسليمها إليه وحتى نشرها، مقترحا في ثنايا ذلك تغييرات في الحبكة وصولا بالقصة إلى الاتساق مع رؤية الناشر لخطه الإنتاجي.
المحرر المطوِّر Developmental editor وهذا يساعد الكاتب على تطوير كتابه انطلاقا من فكرة أو من خط عام أو من مسوّدة مبدئية. ويضمن أن الكتاب يلبي احتياجات الناشر والقراء. ويعمل مع الكاتب على أي عدد من المسودات مهما يكن. وغالبا ما يعمل مع مؤلفي الكتب غير الخيالية. ويرشد الكاتب إلى مواضيع يدرجها في كتابه أو يقصيها منه.
محرر النَسْخ/المخطوطات Copy/manuscript editor: (وقد تكونان مهنتين منفصلتين أو مهنة واحدة يجتمع فيها عناصر لكلا الوظيفتين ويحمل كل منهما اسما مختلفا). ويضمن هذا المحرر أن تتسق المخطوطة مع معايير الدار الأسلوبية، ويصحح النحو، والهجاء، والترقيم. ويتحقق من المعلومات ويقترح كلمات مختلفة. ويتثبت من العناوين والإحصاءات والرسوم البيانية والهوامش. وفي حالة الأعمال القصصية، يتثبت من تماسك النص ومنطقيته، ويقرأ وفي ذهنه احتياجات الجمهور.
مصحح النُسَخ Proofreader: يقارن بين نسخ المخطوطة المختلفة تقليلا للأخطاء في أحدث النسخ. ومصحح النسخ هو آخر من يتحقق من مخطوطة قبل نشرها. ومصحح المخطوطة ليس محررا بالمعنى التقليدي للكلمة، ولكن نظرا للتداخل بين الأدوار، قد يكون المحرر مصحح نسخ.
قد يقترح المحرر الجاذب أو محرر المخطوطة نقل مشاهد، أو حذفها، أو استبعاد شخصيات أو تغييرها، أو تغيير وجهة نظر، أو إدخال أية تغييرات أساسية على المخطوطة.
المحرر المستقل Freelance editor: المحرر المستقل هو الذي يعمل لحسابه الشخصي ويستعين به الكاتب لتجهيز مخطوطته للنشر.
محرر النّسخ المستقل: محرر النسخ المستقل يتعامل بالدرجة الأساسية مع الهجاء، والنحو، والترقيم، وتدقيق المعلومات، واختيار الكلمات (أي التيقن من أن الكلمات تعني ما يظن الكاتب أنها تعنيه).
المحرر المطوِّر: وهو الذي ـ كما سبق القول تفصيليا ـ يساعد الكاتب ابتداء من مرحلة الفكرة وصولا إلى المسودة النهائية. قد يقترح مواضيع، ويساعد في العمل البحثي، وتدقيق المعلومات، وتخطيط بنية المخطوطة. وهو يعمل مع الكاتب عبر سلسلة من المسودات. ويكون معنيا ببناء الكتاب بقدر ما يكون معنيا بالكلمات.
المحرر الأساسي Substantive editor: وهو يساعد الكاتب على تحسين مخطوطته القصصية بالتركيز على عناصر القصة كالحبكة والشخصيات والحوار وترتيب المشاهد ووجهة النظر والصوت وتركيب المشهد واختيار الكلمات وبناء الجملة والإيقاع ـ وكل ما من شأنه زيادة قوة المخطوطة.
ويساعد الكاتب في مخطوطته غير الخيالية من خلال التأكد من أن الأقسام تفضي منطقيا إلى بعضها البعض، وأن ثمة تماسكا وانسيابا، وأن الكم المناسب من المعلومات متاح، كما يتأكد من صحة النتائج وكونها مستخلصة بصورة صحيحة من المقدمات السابقة عليها.
وفي العادة لا يعمل المحرر الأساسي مع الكاتب ابتداء من المراحل الأولى، ولكنه يدخل على المخطوطة بعدما يكون الكاتب قد انتهى من مسودات عديدة. يبين نقاط الضعف ويقترح بدائل لتقوية هذه النقاط. ينظر إلى الصورة العامة والتفاصيل الصغيرة في المخطوطة (كالنحو والهجاء والترقيم).
الكاتب الشبح Ghost writer: هذا المحرر يشارك الكاتب في كتابة المخطوطة أو يكتب المخطوطة كاملة بناء على اقتراحات من الكاتب وقيادته وبحثه.
***
مناطق وعناصر ينظر فيها المحرر
(لا سيما محرر الكتب)
محرر الأعمال غير الخيالية: علاوة على عمل التصحيحات وتقديم الاقتراحات فيما يتعلق بالعناصر التقنية ـ كالهجاء والترقيم وتدقيق البيانات والمعلومات وضبط الهوامش والفهرست وما إلى ذلك ـ يقدم محرر الأعمال غير الخيالية المساعدة في "تنظيم المخطوطة" بحيث يتعاظم تأثيرها، ووضوحها، وقابليتها للقراءة. ويتحقق من تدفق المخطوطة وإيقاعاتها. ويضمن أن تكون النتائج مدعومة الدعم الكافي. ويبحث عن سبل للتنوع في تركيب الجمل ويقدم ما يلزم من الاقتراحات.
يتأكد هذا المحرر من أن اختيار الكلمات يتناسب مع الجمهور المستهدف ومعارفه وملاءمته له عمريا، وقد يقترح أقساما تضاف فيها نوادر أو حكايات. ويتحقق من ملاءمة الأسلوب للموضوع. ويبحث عن خيوط للربط بين الفصول والأقسام بحيث تبدو المخطوطة عند قراءتها كلا متماسكا.
محرر الأعمال الخيالية: إضافة إلى القضايا التقنية كالنحو والترقيم والهجاء، ينظر محرر الأعمال الخيالية في قضايا القصة.
يتأكد هذا المحرر من كفاية الحبكة لطول الرواية أو النوفيلا. يقرأ باحثا عن التضاربات داخل الحبكة أو خيوطها المتشابكة. ويتأكد من وجود قدر كاف من الاختلافات بين الشخصيات وأن كلا منها يتكلم لغته التي تكشف عن سجاياه.
يقرأ للنظر في الإيقاع والمنطق وعنصر الإمتاع.  يقترح من الكلمات ما يلائم الشخصية والجنس الأدبي. ينظر في التوازن بين الوصف والحوار، والفعل والسرد. ينظر في النقلات بين المشاهد والفصول، والنهايات، ويطمئن أن القارئ سوف يبقى مشدودا إلى المواصلة.
قد يقترح تغييرا في وجهة النظر أو في وجهة نظر شخصية. أو تغيير لزمن فعل، من الماضي إلى المضارع، أو من المضارع إلى الماضي. ويرى أين تقف آراء الكاتب أو تحيزاته في طريق القصة.
يضع يده على القولية saidisms [وقد تصادف الكاتب في الإنجليزية قاعدةٌ تنهاه عن القولية: No saidisms  فما داعي اللجوء إلى "هَمَس" أو "وَعَد" أو "لاحَظ" في حين يمكن ببساطة اللجوء إلى "قال"]، والإفراط في استخدام الـ Modifiers [ويسميها البعلبكي في المورد بـ "المقيد النحوي" وهي مثل hardly  و Barely. وانظر إلى "بالكاد" في هذه الجملة: ركل الكرة بالكاد فلم يزحزحها إلا عشرين ياردة. ترى أن "بالكاد" هنا لا لزوم لها على الإطلاق، علاوة على أنها في الأصل اختراع اخترعه المترجمون إلى العربية]، والفقرات الغامضة. محرر الأعمال الخيالية هو الذي يتأكد من إعطاء الكاتب شخصياته ما يكفي من الدوافع. ويتأكد من احتواء المشاهد على عناصر المنطق والصراع. ويساعد الكاتب على وضع البطل في مواقف عصيبة ثم يزيد من سخونتها.
ويقتلع الكليشيهات.
ويتأكد من أن تأتي النهاية في المستوى الذي تعد به البداية، ومن قدرتها على الإشباع ومن حتميتها. ويسمح كلٌّ من محرر الأعمال غير الخيالية ومحرر الأعمال الخيالية لعين أخرى أن تدخل المخطوطة، يلاحظان متى وأين تتنافر العناصر، يريان ما هو ناقص. ويعرفان ما الذي ينبغي القيام به لملء الفجوات.
***
·     يضيف المحرر للمخطوطة صقلا ومعرفة ومهارات قد لا تكون لدى الكاتب، أو هي لديه لكنه لا يجيد استخدامها، أو لا يرى مخطوطته بحاجة إليها.
·     يتأكد المحرر من أن عمل الكاتب يقول ما يريد له الكاتب أن يقوله، ويقوله بصوت الكاتب، وبحساسيته.
·     وظيفة المحرر هي أن يجعل القصة، أو المقالة، أو المخطوطة أفضل مما وصلت إليه. أفضل من حيث الوضوح، والإمتاع، والمنطقية، والتدفق، والمعنى.  أفضل من حيث إشباع احتياجات الجمهور.
·     المحرر شخص في خدمة مشروع، وكاتب، وقارئ.
·     المحرر يوازن بين رغبات الكاتب ومعايير الناشر وتوقعات القارئ، ويجد طريقة ينتج بها قصة ترضي الثلاثة.
·     المحرر يقرأ. ويكتب. يحب الكلمات وملايين القصص التي يمكن صوغها من الكلمات. يجمع بين أجزاء المخطوطة كما لو كان يجمع بين مكعبات في لعبة، ويعيد ترتيبها فيقيم صورة فاتنة جذابة، صورة يرغب القراء في استكشافها حتى الأعماق.
·     المحرر بطبيعته انتقائي، شديد التمسك بما يراه الصواب، فيه عناد، وتصميم. عنده في الغالب مقدرة كبيرة على رؤية التفاصيل، ومعجم لغوي قوي، ومعرفة بالشواذ من القواعد اللغوية.
·     المحرر شخص يستمتع بالعمل، وباللعب، مع الكلمات.
·     المحرر شخص مهمته التحسين، يجعل الجيد أجود، والعظيم مبهرا. يتحدى الكاتب، ويتحدى نفسه.


(نشر الموضوع للمرة الأولى في الأول من فبراير 2011، وتم تعديله للمرة الأخيرة في الثالث من ابريل 2013)

*راعيت الترجمة الحرفية لأسماء الوظائف الواردة جميعا، دون محاولة للبحث عن مسمى المهنة "الأقرب" لكل مهنة موصوفة في النص، كما لجأت إلى الترجمة الحرفية في مواضع أخرى لمزيد من فهم طبيعة مهنة المحرر الغربية ووضعت بين مثل هذين القوسين [ ] ما أرجو منه المزيد من الإيضاح