السبت، 12 أكتوبر 2013

عزلة الكاتب و صحبته سيرة ماركيز الشفوية

عزلة الكاتب و صحبته
سيرة ماركيز الشفوية

سيلفيا باتيرنوسترو

في أواخر عام 2000، قضيت ثلاثة شهور أجوب مدن أمريكا اللاتينية ـ بارانكيو، بوجوتا، مكسيكو، لإجراء حوارات مع أصدقاء ماركيز وأقاربه بغية إنجاز سيرة شفوية له، يدفعني إلى  ذلك ـ بالإضافة إلى  ما للسيرة الذاتية من مركزية في أدب ماركيز ـ فضولي الخاص إلى  أن أعرف كيف يتذكر هؤلاء )الذين ظهروا في أعمال ماركيز) ماركيز الآخر الذي عرفوه في شبابه.
لم يبخل أحد بذكرياته، ومن ثم كان عليّ أن أقضي أياما عديدة أسمع قصصا وحكايات.  تكلمت في بلانكويلا مع جيران ماركيز من أيام أراكاتاكا (وهي البلدة التي جاءت على غرارها ماكوندو في مئة عام من العزلة) التي ولد فيها ماركيز وعاش مع جديه سنوات عديدة، وتكلمت مع أصدقائه في سوكرى SUCRE حيث جرت جريمة القتل في (سرد وقائع موت معلن) والتي انتقل إليها في الثالثة عشرة ليعيش مع والديه.
جاء رافاييل أولوا ـ قريب لماركيز من بعيد ـ ذات مساء يحمل ملفا مليئا بقصاصات صحفية أصر أن يعطيها لي رغم أنها نسخته الوحيدة مما نشر بمناسبة حصول ماركيز على  نوبل عام 1982 صحيفة إل هيرالدو EL HERALDO التي عمل فيها ماركيز في بارانكيو، وكان يحصل منها مقابل عمود صحفي على  أجر زهيد لم يكن يكفيه إلا لاستئجار غرفة في ماخور. في يوم آخر جاء خوانكو جينيت ومعه إنريكى سكوبل، وعلى  مدى ساعتين وزجاجتي سكوتش، استعادا ذكرياتهما عن ثلة الكتاب والفنانين والصحفيين المشاكسين الذين كانوا أصحاب ماركيز عندما نزل في بارانكيو عام 1950: إلى  جاندرو أوبريجون، ألفارو سيبيدا، جيرمين فارجاس، ألفونسو فيونماير، خوسيه فيليكس. كان جارثيا ماركيز يطلعهم على  المسودات الأولي من مئة عام في بار جابي الذي كان فوكنر ـ حسب ما قال لي أحدهم ـ يسكر فيه أيام إقامته في بارانكيو. قال ماركيز إنهم أول وآخر أصحابه. لا بد أن تتوفر مثل هذه الصحبة في داخل عزلة الكاتب.
في بوجوتا، التي انتقل إليها ماركيز عام 1953 ليعمل في صحيفة إل سبكتيدور EL SPECTADOR قابلت خوسيه سالجار الذي كان محررا مشرفا على ماركيز في الصحيفة والذي أخبرنى أن ماركيز اتصل به في بداية ذلك الأسبوع ليستوثق من تفاصيل خبر كان يستخدمه في المذكرات التي كان يشتغل عليها آنذاك. لم تكن لحظة معرفتي بذلك مريحة على الإطلاق، إذ شعرت أني أسابق جابو في كتابة تاريخ حياته.
لذلك حين سألني شخص ـ قبل أن أغادر مكسيكوسيتي مباشرة حيث أجريت حوارات مع من عرفوا ماركيز خلال الثمانية عشر شهرا التي قضاها هناك معتكفا، لابسًا ملابس ميكانيكى في غرفة بنتها له زوجته مرسيدس في بيتها ـ عن مهنتي، قلت له غير هازلة كل الهزل "أطارد جارثيا ماركيز".
سوف يصدر الجزء الأول من ثلاثية مذكرات صاحب نوبل في الخريف القادم. "أن تعيش لتروي living to tell it" هي ذكريات ماركيز عن سنوات عديدة يوثقها في الصفحات القادمة أصحابُه وأقاربه. وتبدأ بهذه المقولة "الحياة شيء آخر غير الذي عشناه، إنها ما نتذكره، وما نختار أن نحكيه".
الشخصيات حسب ظهور
إدواردو مارسيلز داكونتى: ناقد فنى كولومبي من أراكاتاكا، ابن امبريا.
روز ستايرون: ناشطة حقوق إنسان. التقت بجارثيا ماركيز لأول مرة في السبعينات، حيث اشتغلا معا في بعض قضايا حقوق الإنسان في أمريكا الجنوبية.
كارميلّو مارتينى: قاض ومحام متقاعد في المحاكم الكولومبية. كان صديق طفولة جارثيا ماركيز في سوكرى، وأقرب أصدقاء الشاب الذي تحول مقتله إلى سرد وقائع موت معلن.
رفاييل أولو: قريب لجارثيا ماركيز من ناحية أبيه.
جيليرمو أنجولو: مصور فوتوغرافي تعرف بماركيز أثناء إقامته في باريس حين كان كاتبا شابا.
خوانكو جينيت: عضو مؤسس في لاكيوفا.   
هيكتور روجاز ميراجو: شاعر ورسام عمل مع جارثيا ماركيز في قرطاجنة، حيث كان يكتب الأعمدة الثقافية.
إنريكى (كويكيو) سكوبل: مصور فوتوغرافي في لا كيوفا.
خوسيه سالجار: المحرر المشرف على جارثيا ماركيز في إل سبكتيدور، إحدى  صحف كولومبيا الرائدة.
بلينيو أبوليو ميندوثا: صحفي ودبلوماسى كولومبي.
ماريا لويزا إليو: سينمائية أسبانية، أهديت إليها مئة عام من العزلة.
سانتياجو موتيس:  شاعر وابن ألفارو موتيس وهو واحد من أقرب أصدقاء ماركيز.
ألبيرتو زابإليتا: مؤلف وملحن للفإليناتو وهي النسخة الكولومبية من الموسيقى الريفية. يقول ماركيز إن مئة عام من العزلة هي فإليناتو من 350 صفحة.
امبريا داكونتى دى مارسيلز: ابنة أنطونيو داكونتى، جار جد ماركيز وأقرب أصحابه في أراكاتاكا. شخصيات كثيرة في روايات ماركيز تحمل اسم داكونتى كاسم عائلة.
رامون إيلين بكّا: كاتب. يعيش في بارانكيو.
إدموندو باث سولدين: كاتب من بوليفيا.
ألبيرتو فوجيه: كاتب من تشيلي.
إلى سيو ألبيرتو: شاعر من كوبا. يعيش في المكسيك.
أوديرى جيم: سينمائى من الإكوادور.
جيم جارثيا ماركيز: أحد أخوة جارثيا ماركيز.
ويليام ستايرون: كاتب أمريكى، هو أقرب الكتاب الأمريكيين إلى  جارثيا ماركيز.
1
إدواردو مارسيلز داكونتى: تقع مئة عام  بالكامل في منطقة سانتا مارتا بـ سينياجا، منطقة زراعة الموز، ثم في المنطقة الممتدة من سييرانيفادا وحتى ريوهاتشا. أما أراكاتاكا فتقع أسفل جبال سييرانيفادا، مناخها حار لكنها في الوقت نفسه باردة بالليل بسبب جبال سييرا والجداول التي تنحدر منها. يسير فيها نهر شفاف كالكريستال، يتكون قاعه من صخور ضخمة تشبه بيضا يعود إلى فترة ما قبل التاريخ كما يقول في مئة عام [وفي أن تعيش لتحكى ص 15 ترجمة طلعت شاهين]. تمر بفصلين، أحدهما مطير والآخر جاف. وغزارة هطول المطر فيها مروعة.
أتى جدى أنطونيو داكونتى من إيطإليا وفتح دكانا أصبح بمرور الوقت ملتقى عاما، وأحضر معه فونوغراف وجرامافون وجعل من فناء بيته سينما، وكانوا يرسلون إليه الأفلام بالقطار من سانتا مارتا. وكان جد جارثيا ماركيز يزوره كثيرا ليشرب معه القهوة ويتبادلان الأفكار. وأحيانا كان يصطحب حفيده معه إلى  بيت جدى.
كان أهل أراكاتاكا يستخدمون الشموع ومصابيح  الكيروسين. وكنا نلتقى في الظلام ـ أذكر أني كنت أمشي بكشاف ـ وكان ثمة دائما من يحكي حكايات مشوقة، مخيفة، حكايات مرعبة. كنت أخاف حتى الموت أن أعود إلى  البيت في الظلام لأنام في فراشي.
يتذكر جابو تلك القصص التي كانوا يحكونها، الأشياء التي نسيها الكثيرون. له ذاكرة فيل. وهو صبي صغير حكوا له أن في قاع أواني المياه الفخارية تسكن الأرواح، فكان يذهب ويحاول الحصول عليها، يملأ أكوابنا في محاولة لإفراغ الأواني للحصول على الأقزام. مياه باردة لذيذة. لا أعرف. لكني لم أذق بعد ذلك مياها بطعم تلك المياه.
روز ستايرون: يقول إن جدته كانت أعظم حكاءة في العائلة، وإنه تعلم منها. يعتقد أن الحكي وراثي وأنه ملائم تماما لروحه. أتذكره وهو يقول إنه لم يكن يملك إلا أن يكون ساحرا لقرائه، من أولاء السحرة الذين يبدءون من الواقع ثم يعودون إليه.
كارميلّو مارتينى: كانت عائلته محبوبة. أمه كانت من أصول بيضاء، فقيرة لكن محترمة. وأبوه كان هنديا داكن البشرة، ليس أسود، وكان له خال في وجهه. كان رجلا ذا خيال شديد الخصوبة. أظن أن الفضل يرجع إليه في خيال جابو. عاش هذا الأب حياته وهو يظن أنه سيكسب ال يانصيب.
رافاييل أولوا: كان أبوه مؤمنا بأنه صفقة رابحة. وكان يقول لأقاربه إن جابو عبقرى، لكنهم لم يكونوا يصدقونه. كان يقول إن لـ جابو مخين في دماغه.
جيليرمو أنجولو: جدته كانت أعظم ملهماته. كان أحد أقاربه يمشط شعره يوما فحذرته جدته من أن يمشط شعره ليلا لئلا يتسبب ذلك في ضياع سفينة في البحر.
رافاييل أولوا: أظن أن عظمته تكمن في خياله الذي يكشف به للعالم أشياء تبدو بعيدة الاحتمال، لكن الناس يحبونها. السر في الطريقة التي يصور بها هذه الأشياء. جرادة معدنية ـ مثلا ـ تنط من بلدة لبلدة على طول ضفتي نهر ماجدلينا. ربط التكنولوجيا بالجرادة.
جابو له أساليبه الخلابة. كنت أتكلم مع بعض الأصحاب من وقت غير بعيد عن الندابات، وهن نسوة يؤتَى بهن ليبكين وينتحبن على الميت، فتذكر جابو واحدة اسمها باتشيا بيريث، كانت ندابة الندابات. وقال إنها كانت ندابة شديدة البراعة تلخص حياة الجثة كاملة في صرخة واحدة.
إدواردو مارسيلز داكونتى: من قبل، لم يكن أحد يعرف أين أراكاتاكا، لكن جارثيا ماركيز وضعها على الخريطة. غيّر حياتها. أصبح السياح يفدون إليها. افتتحت فيها سلسلة مطاعم. وتأثر اقتصاد البلدة بهؤلاء الذين يأتون لتناول الغداء أو الإقامة في فندق. البيت الذي ولد فيه أصبح متحفا. واجهة البيت البيضاء التي كانت مبنية بالطين والخيزران انهارت وجعلوا مكانها واجهة أخرى من الأسمنت لكن بقية البيت، المطبخ وخلافه، ظل كما كان حين ولد فيه.

خوانكو جينيت:  مرة جاء جرينجو [كلمة مشينة يطلقها أبناء أمريكا اللاتينية على ابن أمريكا الشمالبة] وطلب مني أن آخذه إلى  المكان الذي وقع فيه القتل في  سرد وقائع موت معلن. كان هذا في الأيام التي بلغ فيها الهوس بمخدر البانجو ذروته. قلت له "سيظنون ـ وأنت أصلا شكلك يوحى بأنك تريد شراء البانجو، وسيهاجمونك ويأخذون ما معك". ألبسناه، أحضرت له قبعة ريفية، وغيرناه تماما. كثيرون مروا علينا وهم يبحثون عن ماكوندو.
2
هيكتور روجاس هيرازو: بدأت صحيفة إل يونيفرسال بجهود مجموعة صغيرة، كانت في البداية صفحة واحدة، ولكننا كنا نحاول على الأقل إخراج شيء. كان مقرها في الطابق الأول من مبنى من طابقين في قرطاجنة ـ وهناك بدأت الثورة.
كنا متأثرين بكل شيء، جياعا إلى  المعرفة. كان الجهل هو الحافز الوحيد على الإبداع. وكأنما انطبق علينا قول سقراط: كل ما أعرف هو أنني لا أعرف. ينبغي على كل إنسان أن يعاني الجهل، يستمتع به ويجعل منه إبداعا. إنه مثل الحب: يقضي عليك بالمعاناة. كنا وسط إعصار من التأثيرات تهب من كل اتجاه. الجميع أثروا فينا.
كنا نذهب إلى  الحديقة ونتكلم عن أي شيء. عن أهمية وجود أدب أمريكى لاتيني، يعني، كان هناك ساردون إنجليز وفرنسيون وروس، وكان هناك فوكنر وتأثيره الروائي. وما كان ينقص العالم هو بالضبط ما كان ينبغي أن يقوله أدب أمريكا اللاتينية. كنا نتكلم عن ذلك وعن كيفية تحصيل المعرفة المباشرة بالواقع الذي كنا نعيشه ونعانيه. كان سعيا إلى  اكتشاف سبيل إلى  تأسيس ذواتنا لنحكي عما يحيط بنا. وطالما تردد في رأسي قول تولستوى: انظر جيدا إلى  قريتك تصبح عالميا، القرية، القرية، القرية.
كنا نتمتع نحن أهل الساحل بميزة عظيمة، وهي أننا لا نتسم بالغرور؛ فلم يكن بالساحل حتى ذلك الوقت أي شيء عظيم. أجريت مرة حوارا مع رسام عظيم من أنتيوكيا سألني خلاله لماذا لم يقدم الساحل أي شيء عظيم فقلت له لا تقلق، إننا نصغي إلى  صوت المحيط، وانتظر لترى ما سيسفر عنه كل هذا الإصغاء.
رافاييل أولوا: حين كان جابو يعيش في بارانكيو، كان يزور عماتي  فكنت أراه هناك. في البداية لم يكن أحد يهتم به. كان يتصرف كالأبله، يلبس لبسا غريبا، لم يكن يرتدي جوارب قط، وكان يرتدي دائما ذلك النوع من القمصان المصممة لتبقى محلولة الأزرار. وكان الناس هنا يسمونه تريبيتو [صعلوك].
خوانكو جينيت: كنا شلة واحدة مع ألفونسو فوينمايور الذي كان صديقا حقيقيا لـ جارثيا ماركيز، لأنهما كانا يعملان معا في إل هيرالدو. في ذلك الوقت، كانت هناك مكتبة موندو وكافيتيريا كولومبيا. كنا نلتقي هناك وننطلق إلى البار. لست من أهل الأدب. كنت أسمع وحسب. ألفونسو وألفارو وجيرمين كان لهم عالمهم الأدبي، أما أنا فلم يكن عالمي أدبيا قط، كان عالم شغل. لم يعجبني الكتاب أبدا لأن أي واحد يمكن أن يؤلف قصة. سهل جدا أن يؤلف الواحد قصة.
إنريكى سكوبيل: خوسيه فيليكس فوينماور كان مرشدهم. كنا نذهب إلى بيته، جابيتو وألفارو وأنا وكان يتكلم مع جابيتو عن الأدب. أما ألفارو فكان يقرأ فوكنر الذي كان موضة ذلك الزمن.
هيكتور روجاز هيرازو: قرر ألفارو الذهاب إلى الجنوب ليرى فوكنر. وجلس عند مدخل بيته وأخذ يشرب. شرب كثيرا ثم تساءل عما سيقوله لـ فوكنر حين يراه. وأخيرا قرر الانصراف.
إنريكى سكوبيل: كان ألفارو يعير كتب فوكنر لـ جابيتو الذي لم يكن يملك حينذاك ثقافة ولا نقودا. هذه الأيام هو مثقف جدا، لكنه لم يولد بهذه الثقافة. لم يكن ذنبه، لقد ولد فقيرا. يعجبني جدا أنه وصل إلى ما هو فيه الآن، لقد حقق ذلك بدافع من طبيعته الشخصية. إنه ابن كلب عنيد [ابن قحبة في الأصل]. وهو يستحق ما هو فيه لأنه حصل عليه. اليوم و في هذه السن، يجرءون على مقارنته بشكسبير وثيربانتس، (عاوزه إيه أكتر من كدا)؟
خوانكو جينيت: عاش في باريو أباجو. استأجر غرفة فقط لأنه كان يحصل على 2 بيزو في المقال، وكان يكتب أحيانا في الطابق الثاني أو الثالث من مبنى إل هيرالدو الذي كان أمامه بيت دعارة، وهناك كنت ترين أحيانا امرأة تخدم زبائنها، وكان من الممكن في بعض الأحيان أن تفتح المرأة البائسة الشباك من أجل بعض الهواء.
إنريكى سكوبيل: كنا نلتقى في الظهيرة ونعد ما معنا. أنا معي 35 سنتا، ألفارو 50، ألفونسو 20، جابيتو (ولا الهوا). كنا نذهب إلى  مكتبة موندو وبار جابي المجاور ونطلب زجاجة روم أبيض وصودا، وكل ذلك بـ 25 سنتا كانت تشمل الليمون أيضا. كنا نشرب ثلاث زجاجات روم نرجع بعدها إلى  بيوتنا سكارى. وكان يشرب معنا يوميا. وتحت ذراعه دائما مئة عام. وكان من عادة إلى جاندرو وألفارو أن يقولا ها هو الصعلوك جاء ليتكلم عن الأدب. كان معنا دائما في بار جابي لكنه لم يكن يكثر من الشراب. كان يسمع قصصنا ثم يكتبها بعد ذلك. لم أقرأ مئة عام منذ صدرت، لكنني قرأتها مليون مرة، لأنه كان كل يوم يقرأ الفصل الذي كتبه في الليلة التي قبلها. لو نام مع مومس (بتلاته ابيض)، يكتب فصلا عن هذا.
رافاييل أولوا: كان يتسكع مع سائقي التاكسي ويحب الموامس ويشرب في بارات شارع الجريمة STREET OF CRIME مع النساء ثم لا يجد ما يدفعه للبار فيترك مخطوطته رهنا.
إنريكى سكوبيل: كان ألفونسو فوينماير يحب الشرب في بارات الحي. وكان له ابن عم عنده خمارة قال ألفونسو إنه سيشتريها ويقيم فيها حانة. فاتصل بـ ألفارو الذي كان يعمل في مصنع بيرة وقال له، اسمع، عندي لك خن عبقرى، تعال شوف بنفسك كم هو مكان رائع. كان في موقع جيد من شارع فينت دى خوليو. اتصل ألفارو بمصنع البيرة وطلب منهم أن يرسلوا إليه شاحنة بأربع ثلاجات وعشر جالونات بيرة ومئتى زجاجة بيرة. وأحضر النقاشين ليدهنوا لاكيوفا وفي نصف ساعة تحولت الخمارة إلى  بار محترم، أصبح مكانا شعبيا.
إدواردو مارسيلز داكونتى: كان لاكيوفا أقرب إلى  بيت، تدخلين إليه من حديقة صغيرة، وكان ملتقى للصيادين والصحفيين والكتاب.
خوانكو جينيت: جاءنا بعض طلبة الجامعة وقالوا إنهم يريدون أن يتكلموا عن أساتذة لاكيوفا. كان كيوكيو يوم ذاك قد شرب بضعة كئوس فقال "أنا قرفت من هذا الهراء. لم يشهد لاكيوفا أي نقاشات في الأدب. ما كنا نتكلم عنه هو الروم والخراء. وكنا نتركه إلى أي بيت دعارة. فاكرين إن لاكيوفا كان محرابا للأدب؟ أي أدب؟ خراء. الفلسفة؟ فلسفة وزفت."
3
خوسيه سالجار: جاء جابو إلى  سبكتيدور وهو مشهور قليلا، ولما وصل أصبح مثله مثل أي صحفي عادي. كان أخرق قليلا، فقد كان من الساحل، وفيه سذاجة القرويين، وشديد الخجل. كان يأتي منتفخ العينين، أشعث الشعر، لأنه قضى الليل يكتب هذا الشيء أو ذاك. قلت له إننا لا يمكن أن نشتغل هكذا، وكنت أطلب منه أن يحسم أمره [يقطع عنق الإوزة، حرفيا]  الأدب هواية وما كان يحتاجه هو أن يجعل من هذا الذي كان يكتبه صحافة بجد.
خوانكو جينيت: كتب مرة عن تحطم إحدى سفن القوات البحرية، كانت محملة ببضائع مهربة، وتحطمت بعد أن ألقت من على متنها أحد بحارتها. كتب مقالة ما كان أحد ليجترئ على كتابتها في هذا البلد، لأنها كانت حول القوات المسلحة.
جيليرمو أنجولو: لابد أن ذلك كان نحو عام 1953، ذهبت إلى  سبكتيدور أبحث عنه فأخبروني أنه سافر ليصبح أحد مراسليهم في أوربا وأنه سيدرس السينما في سنترو سبريمنتال في روما. كان واقعا طول عمره في غرام السينما. كارثة. لا يوجد لـ جابو فيلم عظيم ولا حتى سيناريو. أفكاره رائعة، لكن كتابته لا يمكن أن تستخدم في السينما. أظن يكون كثيرا لو طلبنا من جابو أن يكون سينمائيا عظيما بالإضافة إلى  كونه كاتبا عظيما. كنت ذاهبا لأدرس في نفس المكان فبدأت أبحث عنه فور وصولي. كان قد ترك لي رسالة يوضح لي فيها كيفية الوصول إليه: عليَّ أن أطلع إلى  الطابق الثاني وأجد سيدة تغنى الأوبرا وهي تلف رأسها بفوطة. ذهبت إلى  هناك وكلي ثقة وظهرت السيدة فضحكتُ وغضبتْ. ضحكت لأنها كانت بالفعل تغنى الأوبرا وهي تلف رأسها بفوطة. ثم سألتها عن جابرييل جارثيا ماركيز فقالت ومن يعرفه؟ وكانت على حق. من ذا الذي كان قد سمع باسمه؟ ثم أرسل لي جابو رسالة قال فيها إنه ترك روما إلى  باريس. كان يقيم في 16 شارع كوجا CUJAS. كتبت إليه أقول إني سأقضي ستة شهور في باريس وإننا يمكن أن نلتقي هناك.
بلينيو أبيليو ميندوثا: ذهبنا من باريس إلى  أوربا الشرقية في عربة رينو. لم نستطع أن نحصل على تأشيرات للاتحاد السوفييتى فادعينا أننا أعضاء في فريق موسيقى كولومبي كان يعزف وقتها في موسكو. كنا ننام في السيارة. وذات يوم صحا جابو وقال لي "أنا حزين جدا، حلمت بشيء محزن جدا" سألته عنه فقال "حلمت أن الاشتراكية لم تنفع".
جيليرمو أنجولو: وصلت إلى  فندق فلاندرز بشارع كوجا، وفي الناحية المقابلة من الشارع كان يسكن الشاعر الكوبي الأسود نيكولاس جيلين. كان منفيا، يعيش في فندق أبشع من فندقي، وكل يوم كان يخرج ويعود حاملا خبزه تحت إبطه.
ذهبت إلى  16 شارع كوجا وأخبرتني السيدة أن جارثيا ماركيز ذهب في جولة في الستار الحديدي. فاقتنعت حينذاك أننا لن نلتقي أبدا. سألت عن أرخص غرفة لديها وقلت إنني سأقيم ثلاثة شهور على الأقل. أعطتني غرفة في الطابق العلويّ لم تكن مريحة على الإطلاق؛ فقد كانت تحت السقف مباشرة وكنت كلما قمت من السرير خبطت رأسي في السقف. وذات يوم طرق أحدهم الباب ورأيت رجلا يرتدي جاكت أزرق ويلف وشاحا طويلا حول رقبته، قال "أستاذ، ماذا تفعل في غرفتي؟". كان جابو، وهكذا كان لقاؤنا الأول. هذا ما حدث. وعندي صورة أخذناها هناك في ذلك الوقت.
انتقلت إلى مكان آخر. كان جابو فقيرا جدا، جدا، وأثناء وجودي في باريس كان يأتي كل يوم ليأكل عندي. كنت أشتري خمس تذاكر لمترو الأنفاق مرة واحدة كان يأخذ اثنتين منهم وهو خارج ويسألني ماذا يقرأ لأن طريقه كان يستغرق خمسا وأربعين دقيقة، ولما كنت قارئا نهما للمجلات فقد كان عندي دائما كايي دو سينما CAHIERS DU CINEMA و بارى ماتش. وكان يأخذ كل ما يريد ثم يعيده في اليوم التالي . وهكذا أصبحنا صديقين حميمين.
بلينيو أبيليو ميندوثا: كانت في غرفته آلة كاتبة باعتها له أختي بأربعين دولارا، وصورة معلقة على الحائط لـ مرسيدس، صديقته في كولومبيا آنذاك.
ماريا لويزا إيليو: طبعا تعرفين أنه قابل مرسيدس وهي بنت صغيرة. كانت واقفة مرة في أجزخانة أبيها وهي بنت أحد عشر عاما، حين دخل جابو وقال لها "سأتزوجك حينما تكبرين". وحين كبرت قال لها "عليك أن تتزوجيني لأني سأكون شخصا مهما جدا". أظنه كان يعرف منذ البداية.
جيليرمو أنجولو: ذات يوم تلقى كارت من أصحابه في لاكيوفا، مرسوم عليه نخل كثير وشمس مشرقة، كتبوا فيه "يا قفل، أنت هناك تعانى البرد، ونحن هنا نستمتع بالشمس. تعال بمؤخرتك إلى هنا". فقال في نفسه " البقر، بدلا من أن يرسلوا بعض النقود". ورمى الكارت.
إنريكى سكوبيل: في ذلك الوقت كان إرسال النقود في البريد ممنوعا. أحضر ألفارو تسعين دولار، وأحضرت عشرة. ألفارو كان صاحبه أكثر منى، بسبب الكتابة وكذا. كان الصمغ رديئا جدا لو عرضت المظروف للبخار ينفتح ورغم هذا دس ألفارو المئة دولار بداخل الكارت.
جيلميرو أنجولو: بعد قليل، تلقى جابو خطابا مستعجلا: لأنك غبي جدا، نحن متأكدون أنك لم تلاحظ أن الكارت ساندويتش بداخله مئة دولار. فنزل إلى  حيث يرمى الفندق نفاياته. تخيلي أنت العوازل الذكرية وما إلى  ذلك، ورجع بالكارت. مئة دولار. كان يوم سبت، وهو يوم يصعب فيه كثيرا تحويل الدولارات إلى  فرانكات بسعر معقول. كان في منتهي اليأس والجوع، وبدأ يسأل أين يغير الفلوس. دله واحد على صاحبة له اسمها لابوبا كانت عائدة للتو من روما بعدما قبضت مرتبها ولا بد أن معها فلوسا كثيرة. فذهب إليها وكان شكله مزريا كعادته في الشتاء، وفتحت لابوبا الباب فاستقبله تيار دافئ من الغرفة جيدة التدفئة. كانت لابوبا عريانة. لم تكن جميلة جدا لكن كان جسمها رائعا وكانت تخلع ثيابها هكذا بدون الحاجة إلى أي مثير. جلست لابوبا ـ حسب ما يقول جابو ـ ولم يضايقه إلا أنها كانت تتصرف كأنها في كامل ثيابها. وضعت ساقا على ساق. وأخذت تتكلم عن كولومبيا والكولومبيين الذين عرفتهم. كلمها عن مشكلته فتعرفت عليه  وذهبت إلى صندوق في آخر الحجرة. أدرك أنها كانت تريد ممارسة الجنس، لكنه كان يريد أن يأكل. وهكذا ذهب وأكل كثيرا حتى أنه ظل أسبوعا ـ كما قال ـ يعاني من عسر الهضم.
خوسيه سالجار: أغلقوا الجريدة، وأصيب جابو بصدمة في أوربا وبدأ يرسل إليَّ  يحكي كل شيء عن قصصه الغرامية والتجارب المؤلمة التي يمر بها في باريس. خطابات طويلة جدا، وكان يلح عليَّ أن أحصل له على شيكه المستحق عند الجريدة؛ لأن ذلك كان مصدر دخله الوحيد. اتصل بي أول أمس وسألني إن كنت أذكر أي شيء عن هذه الخطابات. وكانت إجابتي محزنة جدا. "كنت أرمي كل ما يرد إلى  الجريدة ولا يكون للنشر".
سانتياجو موتيس: ما الذي أعطته باريس له؟ باريس أعطته عزلة قاسية، ومبررا لأن يسأل نفسه عن هويته، وعما يفعل. وفشل في الإجابة، مع أنه ببساطة كان نفسه: رجل من بارانكيو، من قرطاجنة، من أراكاتاكا. جابو اليوم ـ مش عارف أقول إيه ـ  يزيف نفسه، يحكى هذه القصة أو تلك فتكون أدبا، وهذا لا يعني أنها صادقة.
4
رافاييل أولوا: لقد نجح كصحفي. لكنه بدأ يصنع اسمه بحصوله على جائزة إسّو عن في ساعة نحس ومن هنا بدأ كل شيء.
جيليرمو أنجولو: أنا المسئول عن حصول جابو على أول جائزة. سمعت أن مسابقة ستقام وأن الجائزة الأولي فيها خمس عشرة ألف بيزو، ما يكفي لشراء عربة، أول فوليكس اشتراها بثلاثة آلاف وثمانمئة بيزو. كان لـ جابو اسمه آنذاك بالفعل ولكن كصحفي، ورغم أنه لم يكن قد حقق في الأدب شيئا يذكر إلا أن الناس كانوا يعرفونه. كان يحظى باحترام مرجعه توقعات الآخرين أكثر من إنجازه الفعلي. أرسل لي روايته التي جائتني مربوطة بربطة عنق. وكان عنوانها مدينة منتنة. تجاهلت العنوان وأخبرتهم أنها بدون عنوان. بعنوان مثل مدينة منتنة كنت أعرف أنه لن يفوز بالجائزة. وكانت ساعة نحس.
خوانكو جينيت: ثم فاز بجائزة في فنزويلا، جائزة رومِلّو جإلى جوس وجاء لاستلام الجائزة ونقلت الصحيفة خبر تبرعه بالجائزة لصالح الثورة.
ألبيرتو زاباليتا: أنا صديق مخلص للبلدة التي ولد فيها جابرييل ماركيز. أعرف جيدا البيت الذي ولد فيه. كانت فيه تكعيبة عنب وفناؤه مليئا بالحشائش. وكان أن عرفت من إل سبكتيدور نبأ فوزه  بجائزة روميلو جإلى جوس في الأدب وتبرعه بقيمتها المالية التي تبلغ مئة ألف دولار للمساجين السياسيين . ثم فاز بجائزة أخرى ووهب قيمتها لبعض المساجين. رغم أن الحالة التي وصل إليها البيت الذي ولد فيه لم تكن غائبة عنه، كان خربا، ودعك من البلدة التي كانت في أمسِّ الحاجة إلى  قناة مياه ومدرسة. ولكنه كان هكذا، يعطي المال للآخرين. فكتبت هذه الأغنية:
الكاتب جارثيا ماركيز
لا بد أن نعرِّفه
أن علينا أن نحب الأرض
التي ولدنا فيها
و ألا نفعل مثلما فعل
تخلي عن وطنه
تاركاً للانهيار
البيتَ الذي ولد فيه.
وجريت عليه في فاليدوبار فحياني وقال لي إن الأغنية جيدة جدا. أخبرني أنه كان حزينا طوال الشهور الثلاث التي راجت فيها الأغنية.
امبريا داكونتى دو مارسيلز: لم يرجع قط إلى  أركاتاكا. ظهر في منتصف ليلة ما في سيارة مغطاة شبابيكها بالستائر وطاف بالبلدة مع بعض الأصدقاء ولكنه لم يعد قط إلى  أراكاتاكا. ومع كل ما حققه لم يقدم شيئا لهذه البلدة.
5
ماريا لويزا اليو: بعد إحدى المحاضرات، ذهبت مجموعة منا إلى  بيت ألفارو موتيس. في طريقنا إلى هناك، كان جابرييل بجانبي، وبدأ يتكلم. وحين وصلنا بيت ألفارو ـ وكانت شقة ضيقة ـ كان الجميع قد سمعوا قصة جابو فتشتتوا كلٌ في اتجاه. كنت مأخوذة بما كان يحكيه فأمسكته وقلت "أكمل. ماذا حدث بعد ذلك؟" فحكى لي قصة مئة عام من العزلة كاملة. من الأول خالص. أذكر أنه حكى لي عن قسيس طار، وصدقته، وقلت لنفسي، ولم لا يطير قسيس؟
بعد أن حكى لي الكتاب كله، قلت له، لو كتبت هذا لكتبت الإنجيل. قال، أعجبتك؟ فقلت إنها بديعة. قال إذن هي لك. أظنه رأى في إصغائي براءة جعلته يقول سأهدي كتابي لهذه البلهاء.
في ذلك الوقت لم يكن قد بدأ كتابة الرواية. كان قد كتب مجرد ملاحظات ليس أكثر. أعرف هذا لأن مرسيدس لم تكن قد بنت له الحجرة التي بنتها ليتمكن من تمضية اليوم كله في الكتابة. كانا يعيشان في بيت صغير في لالوما، وفي غرفة المعيشة بنت مرسيدس حائطا ليمنع الصوت، يمتد من الأرض وحتى السقف، مزودا بباب. ووضعت بالداخل منضدة من خشب الصنوبر وآلة كاتبة. كانت الغرفة صغيرة جدا. تتسع فقط لمنضدته، وكرسي، ومقعد صغير للاستراحة، وكان ثمة ما يشبه صورة ، شيئا ما يشبه نتيجة، نتيجة بالية جدا علقها جابو هناك.  وفي هذه الغرفة كان جابو يكتب طول اليوم. بنت له هذه الحجرة لأن جابو قال "عليَّ أن أعتكف لمدة عام، لن أذهب إلى  الشغل، شوفي هتقدرى تعملي إيه لتتدبري الأمر". تدبرت الأمر بأحسن ما استطاعت. فتحت حسابا عند الجزار. وحين اشتهر جابو بعد ذلك ذهب إلى  الجزار وشكره. وبدأنا نزورهما كل ليلة، مصطحبين في ليلة زجاجة ويسكي، وفي أخرى قطعة من لحم فخذ الخنزير.
سانتياجو موتيس: تخلص الفلوس يا شتى، ومرسيدس ـ لكي لا تشغله ـ ترهن مجفف الشعر والخلاط.
جيليرمو أنجولو: يمتلك جابو ما ليس له وجود في كولومبيا كلها: النظام. قبل زواجي، مرت عليَّ ليلة عصيبة، كان عندي امرأتان، وهو موقف من أسوأ ما يمكن أن يواجهه رجل، إذ ليس بوسعه أن يفعل شيئا. فكرت أن جابو يمكن أن يكون الحل. وذهبت إليه إلا أنه قال "لابد أن أصحح الفصل الثالث". سألته إن كان هناك عقد ملزم بذلك فرد بأنه حدد لنفسه موعدا نهائيا وإنه سيصحح الفصل الثالث هذا المساء. لم يكن من سبيل لإقناعه بعكس ذلك، لا توجد "لو" ولا "لكن" في هذا الموضوع.
إنريكى سكوبيل: أرسل لي عندما كان يكتب ليس لدى الكولونيل من يكاتبه استبيانا من وإلى مأتى سؤال. لقد قضيت عمري في مصارعة الديكة. أنا (بتاع) مصارعة الديكة، لكن ليس إلى  هذا الحد.
ماريا لويز اليو: كان يتصل بي، يقول "سأقرأ عليك فقرة وقولي لي رأيك" أو "سأخبرك بما ترتديه النساء وقولي لي ما الذي ينبغي أن يلبسنه بالإضافة إليه" أو "إنني أستخدم هذه الكلمة هنا ولا أعرف معناها، هل كانت عمتك تستخدم هذه الكلمة .. أصل عمتي كانت تستخدمها ولا أعرف معناها" وكان ذلك رائعا.
إنريكى سكوبيل: لديه إصرار غريب. ظل قابعا على مئة عام من العزلة عشرين عاما.
جيليرمو أنجولو: حاول مبكرا أن يكتب مئة عام من العزلة بل وأطلق عليها في البداية اسم ماموتريتو [كراسة مكتظة]. ولكنه لم يستطع. كان يعرف أنها تحتاج إلى  كاتب أكثر خبرة.  فانتظر إلى اليوم الذي أصبح فيه الكاتبَ القادرَ على كتابة مئة عام. كانت تستلزم سيطرة على التكنيك. ستكونين بحاجة إلى  قدر هائل من التقنيات لكتابة رواية كتلك. هو يعرف الحدوتة، عنده الشخصيات، ومسار القصة، لكن لا يستطيع كتابتها. أنت أمام رواية تحتاج كتابتها إلى  إجادة استخدام آلة كاتبة، لكنك لا تجيدين الكتابة على الآلة الكاتبة، عليك إذن أن تنتظري إلى  أن تتعلمي ذلك. و الرواية لن تطير.
إنريكى سكوبيل: أرسل مئة عام إلى  الأرجنتين والمكسيك وأسبانيا. والدول الثلاثة رفضت الرواية. الأسبان والمكسيكيون قالوا إنهم غير مهتمين، أما الأرجنتينيون فنصحوه أن يوفر جهده لأمر آخر.
ماريا لويز إليو: أذكر يوم صدور الكتاب. جاءني بنسخة ثم ذهبنا نتنقل من مكتبة إلى  مكتبة أشتري نسخا لأصحابي وأجعله يكتب إهداءات. قال لي جابو أنت في طريقك إلى  كارثة مالية. كنت أشتري كل ما أستطيع من النسخ. وذهبنا إلى  بيت جابو وشربنا أنخابا مع مرسيدس.
في اليوم التالي، ماشي، لم يكن معنا ولا مليم، كما هو الحال الآن. إلا أننا تدبرنا الأمر. لعلك تذكرين فقرة في مئة عام ... عندما أمطرت زهورا صفراء. كويس، في ذلك اليوم اشتريت سبتا كبيرا، أكبر سبت وجدته، وملأته بزهور صفراء، كانت معي أسورة ذهبية وضعتها في السبت، ثم بحثت عن سمكة ذهبية صغيرة، وزجاجة ويسكي. وضعت كل هذا في السبت وذهبنا إلى  بيتهما.
سانتياجو موتيس: سافر جابو إلى  بيونس أبريس لأنه كان محكما في مسابقة للرواية، وكانت مئة عام قد صدرت في الأسبوع الذي قبل ذلك، حين دخل المسرح قدموه بوصفه كاتب مئة عام من العزلة، فوقف له الحضور احتراما، ومن هنا بدأ ما لم يتوقف بعد ذلك. لم يكن شيئا يبحث عنه، لكنه بوغت به. بوغت بالدنيا تحت رجليه.
رامون أليا بكّا: حين فاز بالجائزة عن مئة عام كان تعليق خالتي "أوه، من كان يفكر أن حفيد ترانكيلينا سيكون بهذا الذكاء؟"
إنريكى سكوبيل: تلك الرواية ليست جيدة. رواية ملآنة بالدّشِّ عن عادات وتقاليد محلية. أنا متأكد أن أهل بوجوتا لم يفهموا نصفها. تخلو من أي إبداع. قصدي أنك يمكن أن تقولي أي شيء عن روميو وجولييت مثلا. يا ربي، هي قصة حب على الأقل.
سانتياجو موتيس: يفهمها العالم كله، لأنها ملحمة، إنجيل، تحكي الحياة نفسها من البداية للنهاية، لكنها نسخة إنسانية، تضم حقيقة كولومبية حتى النخاع. كولومبيا بلد سحري، والناس مؤمنون بذلك. حين تذهب إلى السوق في فيلادلفيا تجد الناس يرشون الشاحنات بماء مقدس لئلا تقع على الطريق. أظن ذلك ما حدث مع جابو، كان للبلد تقاليدها الشفوية، وحين بدأ التدوين يهدد هذه الثقافة ويهدد شفويتها، كان جابو جاهزا لالتقاطها. بدأت تتحول إلى  أدب، هو استشعر هذا، وبدأ يشذبها، إنها والداه، عائلته، أرضه، أصحابه، إنها كل شيء. الثقافة الشعبية أُمُّ الفن وأبوه ــ ذلك جابو.
رامون إليا بكّا: هنا في الساحل تسمعين أشياء كثيرة ينطبق عليها وصف الواقعية السحرية، لكنها بالقدر نفسه جزء من الثقافة العادية، سأحكي لك حكاية على سبيل المثال أشير إليها في رواية لي. كان البروفيسور داريو هيرناديث في بروكسل يدرس البيانو، مثله مثل بقية ميسورى الحال في سانتا مارتا. عزف أمام الملكة آستريد. وعاد عام 1931 أو 1932.
بشكل طبيبعي طلبوا منه في نادي سانتا مارتا ـ الذي كان قد افتتح قبل ذلك بقليل ـ أن يعزف شيئا. فعزف كلير دى لون CLAIRE DE LUNE طلبوا منه أن يعزف شيئا آخر فعزف لا بولونيه  LA POLONNAISE ثم عزف SUENO DE AMOR لـ ليست. "هذا إذن ما ذهبت تتعلمه هناك؟ ألا تستطيع عزف بويا بويايا ـ أغنية شعبية؟" شعر داريو بإهانة بالغة وأغلق غطاء البيانو بعنف وقال "لن تسمعني هذه البلدة أعزف نوتة واحدة ما حييت". وعاش حتى تجاوز التسعين وحين اتخذ قراره هذا كان في الثلاثين. عاش ستين عاما في بيت شاركته فيه عمتاه . كسا أوتار البيانو بالقطن فكان الناس لا يسمعون إلا بم بم بم وهو يعزف كل صباح. بالله عليك، إذا لم تكن هذه واقعية سحرية، فماذا تكون؟
خوسيه سالجار: لا يمكنك اختلاق فانتازيا، حسبك أن تحكي ما هو موجود. كان يصغي لحكايات جده، حكايات الساحل الواقعية السحرية، واختزن في رأسه كل هذا. ثم أقرأه أساتذة الأدب هذا وذاك، فقال لنفسه إذا كانوا يستطيعون الإتيان بهذا فإنه أيضا قادر على الإتيان به من حكايات جده. الواقعية السحرية هي قول الأشياء كما هي ــ البدء من الحقيقة وتطويرها. هذه الظاهرة التي اخترعها جارثيا ماركيز نجحت في تجميل لغة الصحافة. لقد أسبغ على الحقيقة جمالا.
ربما يكون المثال الأكثر كلاسيكية هو تلك المرة التي طلبوا منه فيها أن يكلم البابا عن المساجين الكولومبيين. تتصل به كونتيسة بولندية من روما وهو في باريس وتقول إنها حصلت له على موعد مع البابا في السابعة صباحا. يغادر باريس متوجها إلى  روما. أظن أن صديقا أعاره بليزر جاء ضيقا عليه. يسمح له الحراس بالدخول، والبابا لابس أبيض في أبيض، وجابو أسود في أسود. يتبادلان النظرات. يلاحظ جابو الأرضية الخشبية اللامعة ويرى منضدة يتوجه كلاهما إليها. الأبواب مغلقة. أذكر أن جابو حكى لي أنه فكر ساعتها، ماذا ستقول أمي لو رأتني هنا؟ في مساء ذلك اليوم سألته مرسيدس كيف كان اللقاء، وهل حدث فيه أمر غير عادي؟ وهنا تبدأ القصة. "مش عارف... بس استني، حكاية الزرار. كنت ارتدى البليزر، وحين حان وقت الانحناء، نط الزرار من البليزر. سمعته وهو يجرى تحت المنضدة، وسبقني البابا، انحنى حتى رأيت خفيه، ثم اعتدل وناولني الزرار. ولما تحركنا للخروج لم يتمكن البابا من فتح الباب واضطر أن ينادي الحرس السويسري. وجدونا محبوسين والبابا لا يستطيع الخروج". وطالت القصة وطالت وفي دقائق  أدخل فيها الكونتيسة وحوَّلها إلى  مئة عام من العزلة أخرى.
رامون الين بكا: شوفي، كل الناس تطبخ بالبقدونس، لكن هناك دائما طباخ يصل بالطبخة إلى  مستوى الفن، صح؟ عبقريته تكمن هنا.
خوسيه سالجار: الواقعية السحرية لافتة علقها الناس بعدما اشتهر، لم يكن يعرفها لأنه كان مسكونا بأمر واحد، أن يحكي الحكاية، لماذا؟ ليس من أجل المال، ولا كان يسعى إلى  الجوائز. السبب الذي جعله يكتب هو رغبته في أن يحبه أصدقاؤه أكثر.
ماريا لويزا إليا: تلقيت من أسبانيا مكالمة في الرابعة صباحا تقول إن جابو فاز بنوبل. لبست بنطلونا وسويتر واتجهت إلى  بيته، حيث وجدت مرسيدس وكل فِيَش التليفونات مخلوعة. وعلى الباب لافتة كبيرة تقول مبروك وكانت عيناه متسعتين كأنه يهلوس.
خوانكو جينيت: ذهب أوبريجون لزيارة جابيتو في مكسيكو. كان عنوان البيت الذي معه يقع حيث بيوت الأغنياء، مثل نجوم المسلسلات المكسيكيين. يوم ذهب هناك كان يوم فوز جابيتو بنوبل. وحين وصل إلى  العنوان وجد الزهور في كل مكان فقال في نفسه "يا ربي مات".
هيكتور روجاز هيراثيو: حين عُرف أمر نوبل، أصيبت كولومبيا بالجنون. كان الجميع يتكلمون عن جابيتو. لابد أنهم غيروه. فقد جاءت اللحظة التي تحتم عليه أن يؤمن فيها بما حقق من نجاح.
نيريو لوبيز: شكلنا وفدا لمرافقة صاحب نوبل إلى  السويد. مطربون مثل لانيجراو وتوتو، لامومبوسينا، فرق شعبية، مجموعة من بارانكيو، ومحموعة من فالبروفينس. كنا مئة وخمسين فردا .قالوا لعازفي الفالينيتو إن السويديات يمتن في رجال أمريكا اللاتينية، فذهب الرجال جاهزين، عاقدين العزم، وقادرين على النوم مع كل من تعبر أمامهم من السويديات. وفي ثالث يوم قلنا "ما الأمر؟ لم يتصل بنا أحد بعد" فقررنا نحن الذهاب بأنفسنا إلى  كاباريه ستريبتيز. يا لها من نكتة. كن مجموعة من الراهبات، بجد، لابسات كل ملابسهن، و بين الحين والآخر وبسرعة البرق يكشفن أثداءهن ثم يخفينها.
نزلنا في سفينة مريحة ورخيصة في حين نزل ضيوف الشرف في فندق درجة أولي. كانت الدنيا باردة جدا، حتى أن واحدا منا أراد المغادرة. قال "عندي مشكلة وأريد مساعدتكم. حين أخرج لأتبول لا أجد قضيبي" وتساءل كيف سيعود إلى  بلده حيث بانتظاره ثلاث نساء. حين سألته أين يذهب ليريح نفسه، قال لي إنه يصعد إلى  سطح السفينة. قلت له إنه في ظل وجود الجليد بكثافة أربع خمس بوصات، طبيعي جدا أن يختفي قضيبه. وقلت له يارجل عشان خاطر ربنا فيه حمام تحت هنا.
في أحد المطاعم، صاحت الجالسة على الكاشير حين همت اسكالونا بشرب الخل ظانة أنه نوع من العصائر "إنه للسلاطة". كانت آراكاتاكا قد نزلت في استوكهولم.
جليرمو أنجولو: أظن أن جابو يتضايق حين يقول أحد إنه كاتب كبير. إنه أمر واضح يعرفه وليس على أحد أن يقوله.
إنريكى سكوبيل: جائزة نوبل أحدثت خرابا رهيبا في الأدب الكولومبي. فكل واحد الآن يريد أن يكون جارثيا ماركيز. يقولون إذا كان ماركيز لم يقل هذا الشيء فهو لايصلح أدبا كولومبيا. إن له ظلا كبيرا كظل شجرة بوجا.
رامون إيلين بكّا: النقاد والصحفيون يعبدونه عبادة. كان لهم حضور جاثم علينا نحن الذين يحاولون الكتابة. لكن الناس دائما يهتمون بالكتاب العظام. ما الذي لم يكتبوه عن توماس مان؟
إدموندو باث سولدان: طالما بدا لي عالم جارثيا ماركيز غريبا. طبعا كنت أستطيع الاستمتاع به ولكن من بعيد. لم أعتبره أبدا أبا، ربما عم أزوره وفي اليوم التالي  أجدني راغبا في الذهاب. كقارئ تروق لي كتابته، أما ككاتب فإلى  الجحيم بها، إنها لا تخصني.
ألبرتو فوجى: قراءة جارثيا ماركيز في مرحلة عمرية معينة يمكن أن تكون مضرة جدا، وقد أحظرها. يمكن أن تتسب في دمار دائم. جارثيا ماركيز (سوفت وير) لو مكنتها منك لن تتخلص منها ثانية.
ماريا لويز إليو: هل سرتِ معه في الشارع؟ البنات تلقين أنفسهن عليه. لابد أن ذلك مزعج. إنها ظاهرة لم تحدث مع أكتافيو باث. لقد مشيت في الشوارع مع أكتافيو ليس مرة واحدة ولكن آلاف المرات، ولم أر الناس يرمون أنفسهم ليقبلوه أو ليسألوه إن كان أوكتافيوباث أم لا. ظاهرة جارثيا ماركيز شديدة التفرد. له كاريزما رهيبة.
إليسيو ألبيرتو: كنت أسير مع جابو في قرطاجنة حين سمعنا من يصيح باسمه "جابو، جابو، جابو" التفتنا فوجدنا شابا وشابة. كانت الشابة تلوح له ليأتي إليها وحين وصلنا إليها أمسكت جابو من ذراعه وقالت "جابو، أرجوك ساعدني، مش مصدقني، جابو ممكن تقول له إني بحبه".
أودرى جيم:  حين كنت أعيش في مدريد كان يتصل بي ويقول "أنا قادم إلى  مدريد لمدة ثلاثة أيام. أعرف أن لك أصحابا صحفيين فلا داعي لإخبارهم بوجودي." وبعد ثلاثة أيام يقضيها دون أن يتعرفه أحد يقول لي "هيه، إنني لا أحتمل العزلة، هيا نذهب إلى  مكتبة ونرى إذا كان أحد يريدني أن أوقع له كتابا".
جيم جارثيا ماركيز: حين يأتي إلى  كولومبيا لا يتركونه يرتاح. منذ سنوات قليلة، كنا قاعدين بالبجامات نتكلم وإذا بالرئيس يريد أن يسلم عليه فقط.
روز ستايرون: بطريقة ما بدا أن كل الناس في فينيارد بمارتا يعرفون بمجيئه لزيارتنا. والجميع يريدون مقابلته. رآنى هارفي وينستين في فينيارد هيفين فهرع إليَّ يقول "أرجوك وجهي لي الدعوة، إنه كاتبي الأثير، أنا مستعد أكنس الأرضية". الرئيس كلينتون ـ الذي كان جابو معجبا به ويريد أن يتكلم معه ـ أراد أن تقابله تشيلسا. قررنا إقامة حفل كوكتيل كبير يعقبه عشاء محدود ليستطيع الرئيس وجابو  وضيوفنا المكسيكيون أسرة كارلوس فوينتس وبرناردو سبيلوفيدا (سبق أن كان وزير خارجية) أن يتجاذبوا أطراف الحديث. على العشاء قامت ابنة جابو بالتبني صديقتنا باتريشيا سيبيدا بالترجمة خير قيام. جيراننا من فينيارد، أسرة فيرون جوردان، وأسرة ويليام ليور وهيلارى كلينتون أكملوا المائدة. كلنا نتذكر سويتر الرئيس كلينتون الرياضي المرسوم عليه كلمات متقاطعة.
ويليام ستايرون:  رغم أنني لم أكن أسمع من قريب، أستطيع أن أقول إن لديّ من الأسباب ما يجعلني أعتقد أن جابو وكارلوس أدخلاه في حديث عن حصار كوبا التي كانا متعاطفين معها. وكان كلينتون يقاوم ذلك الحوار، لأنه انتهى فيه إلى رأي، وما كان ليتزحزح عن موقفه ولا حتى بتأثير من أناس هو معجب بهم مثل جابو. فما كان من بيل ليور الذي كان جالسا بالقرب ولاحظ جمود عيني كلينتون  إلا أن تكلم بقليل من الحزم ـ بحنكة دبلوماسي سابق ـ فغير نبرة الحديث من السياسة إلى  الأدب. تغيرت نبرة الحوار تماما. وسأل أحدهم ـ ولعله الرئيس كلينتون نفسه ـ الحاضرين كلا عن روايته المفضلة. لمعت عينا كلينتون في سعادة. أذكر أن  كارول قال إن دون كيشوت روايته المفضلة. وجابو  قال الكونت دى مونت كريستو وبعد ذلك أوضح السبب. قال إنها الرواية الكاملة. رواية فاتنة، ليست مجرد ميلودراما، بل رائعة عالمية بالفعل. قلت HUCKLEBERRY FINN وكانت أول ما خطر على بالي. وأخيرا قال كلينتون، الصوت والغضب، وعلى الفور، فوجئنا به، وقد بدأ يستظهر منها مقطعا طويلا جدا. كان رائعا أن نراه وهو يفعل ذلك ثم وهو يكلمنا في محاضرة قصيرة عن قوة فوكنر ومبلغ تأثيره عليه. ثم كان حوار ثنائي بينه وبين جابو قال فيه جابو إنه بدون فوكنر ما كان ليكتب حرفا وإن فوكنر كان ملهمه الأساسي ككاتب حين بدأ قراءة الأدب العالمي في كولومبيا. نجحت الأمسية برغم الفشل الذي كان يصاحب السياسة أينما حلت.
جيليرمو أنجولو: الشهرة والثروة تغيران الناس. لا يمكن أن تقارني جابو القديم بـ جابو هذه الأيام. هو اليوم أكثر تحفظا وانعزالا، لا يؤْثر على نفسه كما كان يفعل. يميل جابو ميلا غريبا بل إنه يعشق السلطة، اقتصادية كانت أم سياسية. يحب هذا.
مرة قال له الجنرال توريجوس [ديكتاتور بنما السابق] إنه [أي جابو] يحب الحكام المستبدين فسأله جابو لماذا فقال له الجنرال "لأنك صديقي وصديق كاسترو".
ويليام ستايرون: أعتقد أن في كاسترو سمة شاذة عن الحكام المستبدين. له عقل رائع راجح مركب. أعتقد أن جابو مشدود إلى  هذا الملمح أكثر من سواه في كاسترو. أذكر هذه النادرة اللطيفة التي حكاها لي جابو. وقعت أزمة ما ـ نسيتها الآن ـ جاءت بصحفيي الدنيا إلى  كوبا. وطار جابو إلى هافانا قادما على ما أعتقد من مكسيكو. كان مئات الصحفيين متجمعين في المطار وجاء فيديل واستقبل جابو ومضيا معا إلى  قاعة الانتظار في المطار حيث مكثا هناك نصف ساعة أو أكثر فيما تحلق صحفيو  وكالات الأنباء العالمية حول القاعة ليروا فيم يتكلمان في هذه الظروف. وأخيرا ظهرا ووقفا قبالة الصحفيين وكان السؤال الأول لـ جابو  بالطبع "ممكن تقول لنا فيم كنت تتكلم حالا؟" فأجاب جابو "كنا نتكلم عن أفضل طرق طبخ الترسة".
جيليرمو أنجولو:  يتباهي جابو بأن هناك تسعة رؤساء دول يستطيع الاتصال بهم مباشرة، لقد أصبح صديقا لـ كلينتون.
ويليام ستايرون: دار بيننا حوار ظريف حول الرؤساء. أنا وهو متفقان في أننا مشدودان إليهم. في حالته، في أمريكا اللاتينية، هؤلاء الذين وصلوا بلا رحمة إلى  السلطة لهم تأثير عنيف على مواطنيهم. رجال مثل كاسترو، ورئيس المكسيك لهم سلطة على دول. ومن هنا يحوزون بشكل طبيعي على إعجاب الكتاب. أنا معجب بهم، لكن فكرة أنى قد أؤثر على واحد منهم تأثيرا كبيرا هي وهم، هذا لا ينطبق على أمريكا اللاتينية.
إنريكى سكوبيل: هذه الحكاية عند جابو مرض. حين يقول جابو شيئا فكأنك تسمعينه من البابا. ماذا تسمين حالة أن يقول البابا شيئا ولا يمكن أن يكون مخطئا؟ مرسوم. ذلك يعنى أنه لا يمكن أن يكون مخطئا. إنه يخطئ حين يتكلم بوصفه رجلا عاديا، لكن ليس حين يكون كلامه مرسوما.
ويليام ستايرون: ما كان يمكن أن يوجد جابو في العالم الأنجلوسكسونى. فليس لدينا تقاليد حقيقية. لا أقصد أن الكتاب لا ينالون الاحترام في هذا البلد. بل ينالونه، ولكن ليس إلى  الدرجة التي ينالون بها ليس الاحترام فحسب، وإنما التبجيل في أماكن أخرى. كارول فوينتس، أوكتافيو باث، كان لهما هذا التأثير في المكسيك. ماريو فارجاس يوسا كان على وشك أن يرأس بيرو. جابو يمثل هذه الظاهرة باقتدار. فكرة أن يكون لكاتب في الولايات المتحدة تأثير جابو السياسي والثقافي في أمريكا اللاتينية فكرة غير واردة.
خوانكو جينيت: لن أنسى يوم جاء جابيتو إلى بيت ألفارو وكان حاضرا أيضا خوان جوسان ـ الفرخة بكشك اليوم في الصحافة الكولومبية ـ احتضنني جابو وقال "هؤلاء أصحاب طفولتي" ثم قال خوان جوسان لـ جابيتو "اسمح لي أن أجرى حوارا معك" فقال له جابيتو "أي صحفي أنت؟ ماذا تريد أكثر من هذا؟ حكايتي أمامك وبين يديك. خذها" و كان محقا. لم تكوني بحاجة إلى  إلقاء الأسئلة. أنت عارفة أنه حين يبدأ الصحفيون في إلقاء الأسئلة يخربون الحوار ـ يبدءون في توجيه هراء لن يجيب أحد عليه بصدق، يعطونك فقط الحقيقة التي تريدينها، إن فلانا كان رائعا وما إلى  ذلك، كل الكليشيهات، ولا شيء منها حقيقي. قال له جابيتو "ماذا تريد أكثر من هذا؟ عندك صاحبي منذ كان صغارا. وهنا قصتي".

حصلت على هذه الترجمة القديمة من موقع جهة الشعر، كلكن لا بد ان يكون الموضوع نشر ورقيا قبل ذلك في مكان ما، لعله أخبار الأدب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق