الاثنين، 10 يونيو، 2013

تطورات أفريقية بالصدفة

تطورات أفريقية بالصدفة
مورتن جيرفن
تمثال النهضة الأفريقية وقد أوشك على الاكتمال في موقعه  في العاصمة السنغالية دكار
من يطالع تقرير "مشهد الاقتصاد العالمي World Economic Outlook" الصادر لعام 2012 عن صندوق النقد الدولي يفاجئه فيه داع للتفاؤل بخصوص النمو الاقتصادي في العديد من الدول الأفريقية. فبحسب تقديرات صندوق النقد، أعدت مجلة "بيزينس إنسايدر Business Insider  " ملفات عن عشرين دولة هي الدول ذات أعلى معدل نمو سنوي مركّب CAGR متوقع في الفترة من 2013 إلى 2017، وظهرا بالتقرير أن عشرا من هذه الدول تقع في أفريقيا ما دون الصحراء، واثنتين في شمال أفريقيا. وهذه الإحصائيات كانت دافعا لعدد من المراقبين إلى القول بأن أفريقيا لم تعد "القارة  الميئوس من أمرها" بحسب وصف مجلة "ذي إيكونوميست" لأفريقيا في مايو من عام 2000.
صحيح أن أفريقيا ربما تكون شهدت بعض النجاحات، ولعل هذه النجاحات تفوق ما يجري الاعتراف به عادة، بل إن كثيرا من الخبراء يقولون إن أغلب الاقتصادات الأفريقية تنمو بوتيرة ثابتة منذ تسعينيات القرن العشرين. ويعتقد بعض الخبراء أن كثيرا من الدول الأفريقية أكثر ثراء مما تشير إليه التقديرات الراهنة بإجمالي الإنتاج الوطني بالنسبة للفرد. ولقد ذهب البروفيسور آلويان يانج Alwyn Young من مدرسة لندن للاقتصاد إلى أن كثيرا من الدول الأفريقية تقلل من إجمالي ناتجها الوطني بسبب بؤس ممارساتها الإحصائية وبسبب العجز عن إدراك ما يطرأ من تحسن على الصحة والتعليم والأمن المائي أو على تزايد وتيرة امتلاك أجهزة التليفزيون والهواتف المحمولة والثلاجات. ولقد أقام البروفيسور أطروحته المقنعة بناء على بيانات من تسعة وعشرين دولة أفريقية تشير إلى أن النمو في أفريقيا ربما كان مرتفعا إلى 3.7 في المائة سنويا في الفترة من 1990 إلى 2006. وذلك يوشك أن يصل إلى أربعة أمثال المعدلات الشائعة التي يتم حسابها باستخدام مجموعات البيانات الدولية.
قد يبدو أقرب إلى التفكير التفاؤلي، ولكن هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن يانج على حق وأن البيانات الرسمية أغفلت بعض أوجه التحسن الضخمة. ففي عام 2010، أصابت هيئة الإحصاء الغانية في اكتشافها أن تقديرات إجمالي الناتج الوطني السابقة أغفلت أنشطة اقتصادية تقدر قيمتها بـ 13 بليون دولار أمريكي. وعندما أضيفت هذه القيمة، قام البنك الدولي بتصعيد غانا من الدول ذات الدخل المنخفض إلى الدول ذات الدخول المتوسطة الدنيا في 2011. وكان ذلك بطبيعة الحال خبرا سعيدا للغانيين. ولكنه في الوقت نفسه كان مثالا صاعقا لعدم دقة الأرقام السابقة، إلى حد أن كبير الاقتصاديين في البنك الدولي في أفريقيا أعلن أنها "مأساة إحصائية".
كيف تأتى أن تبلغ أرقام النمو الغاني هذا المستوى الفادح من الخطأ؟ حقيقة الأمر هي أنه فيما قبل 2010 قامت غانا أخيرا بمراجعة المناهج التي تتبعها في قياس نشاطها ونموها الاقتصاديين في تسعينيات القرن الماضي. فلم يتم احتساب تغييرات هيكلية هائلة من قبيل إدخال الهواتف المحمولة وطفرة الإنفاق على التعليم الخاص وبدء ظهور القطاع الخاص محدود النطاق. الأدهى من ذلك أنني في مرحلة إجراء البحاث لكتابي "أرقام بائسة  Poor Numbers " اكتشفت أن غانا ليست وحدها. فهناك دول أخرى كثيرة مثل الإكوادور وغينيا وغينيا بيساو ونيجريا والسنغال وزامبيا تستخدم مناهج عتيقة في حساب إجمالي الناتج الوطني لكل منها. ومع شروع هذه الدول في تحديث إجراءاتها، سيبدو الأمر وكأن اقتصادياتها تنفجر بغتة، في حين أن الأرقام الجديدة في واقع الأمر لن تبين إلا الذي كان يحدث بالفعل دون أن يعرف أحد أنه يحدث. ولقد أعلنت نيجريا مؤخرا أنها في سبيلها إلى تحديث حساباتها، وتشير التقديرات المتحفظة إلى أن المراجعة سوف ترفع إجمالي الناتج الوطني بنحو 100 إلى 150 بليون دولار. وهذا ما قد يرتفع بإجمالي الناتج المحلي في أفريقيا ما دون الصحراء بما يزيد على نحو خمسة عشر في المائة.
وهنا تكمن مشكلة في مواجهة أولئك الذين يرجون فهم منحنى الاقتصاد في أفريقيا: فلكي يفهم المرء مستقبل القارة سيكون لزاما عليه أن يعيد كتابة ماضيها. في حالة غانا، في وقت ما بين 1993 و2006، تضاعف إجمالي الناتج المحلي بصورة جوهرية بدون أن تلاحظ الإحصائيات ذلك. وذلك يثير سؤالا حول السبب في حدوث ذلك، وكيف حدث بغتة هكذا، وعما إذا كان ثمة نمو فعلي غفلت عنه الحسابات الوطنية عند مراجعتها في التسعينيات.
وهذه أسئلة يوشك أن يكون من المستحيل الإجابة عليها. ولقد بذلت مكاتب الإحصائيات أقصى ما في وسعها لكي تضيف قليلا من النمو هنا أو قليلا منه هناك، لكي تضبط منحنيات الاتجاهات المختلفة بمرور الوقت. ولكي تفعل هذا، كان على الباحثين أن يلوذوا بالتخمينات والتصورات. كما أنهم يقومون أيضا بالافتراض فيما يتعلق بنمو الاقتصاد غير الرسمي وهو بطبيعته اقتصاد غير مسجل. ولكي يقوموا بهذا، فهم ينظرون إلى نمو القطاعات الرسمية الذي يسهل عليهم رصده والتحقق منه. والمشكلة تتمثل في أن الطريقة التي تقدم بها البيانات توحي كما لو أن النمو تسارع في التسعينيات. ولقد تم استخدام هذه الدليل لاستخلاص نتائج إشكالية فيما يتعلق بالنمو في أفريقيا. ففي تنزانيا على سبيل المثال يذهب البعض إلى أن مراجعة الحسابات في منتصف تسعينيات القرن الماضي تثبت أن هناك تصاعدا كبيرا في النمو عقب عملية تحرير الاقتصاد التي شهدتها أوائل ذلك العقد. ولكن ذلك قد لا يعدو أكثر من غلطة إحصائية. وفي كثير من الدول تعطي هذه المشكلات الإحصائية انطباعات خاطئة عن تسارع النمو في التسعينيات، في حين أن الواقع الفعلي يقول إن هذه الأنشطة كانت قائمة لوقت طويل ولكنها لم تكن مسجلة.
من المؤكد أن النمو الأفريقي ليس كله أكاذيب، وأخطاء، وإحصائيات مغلوطة. فبعض الارتفاعات الكبيرة الواردة في تقرير البنك الدولي الأخير قائم على تغييرات فعلية ملحوظة. فمن المتوقع، في عام 2013 على سبيل المثال، أن ينمو اقتصاد جنوب السودان أسرع من أي اقتصاد آخر بمعدل 69.62 في المائة. وكان المتوقع للاقتصاد في جنوب السودان أن يتناقص في عام 2012 بـ 54.98 في المائة (فكأن أسوأ تدهور اقتصادي متوقع في العالم كله آنذاك). قد يكون ثمة إغراء في تجاهل هذه التراوحات باعتبارها حسابات خاطئة يمكن أن نغفرها لأصغر جهات الإحصاء الوطنية سنا في العالم، ولكن هذه البيانات قد تكون بالفعل صحيحة، فاقتصاد جنوب السودان يعتمد بصورة شبه كلية على استخراج وبيع النفط. وفي 2012 أغلقت الأنابيب. وفي 2013 من المتوقع أن تعمل بحرية.
هذا النوع من النمو مألوف للغاية في كثير من الاقتصاديات الأفريقية ومن بينها غينيا الاستوائية وساو تومي وبرينسيب اللتين تتصدران تقرير البنك الدولي.  في كلتا الدولتين عدد محدود جدا من السكان وقواعد إجمالي الناتج الوطني ولكن فيها احتياطيات هائلة من الموارد القابلة للاستخراج والتي توفر لهما معدلات نمو هائلة ليس من المعتاد تسجيلها في أماكن أخرى. ولكن هذه التطورات ليست نتيجة طوارئ إحصائية، كما في حالة غانا ونيجريا. بل إن النمو الاقتصادي في غينيا الاستوائية وساو تومي وبرينسيب يعكس قصص نجاح مماثلة في بتسوانا والكاميرون والكونغو ونيجريا وزامبيا التي تنامت قطاعات التعدين فيها بما أدى إلى تضاعف أرقام النمو الاقتصادي فيها مرات ومرات.
النمو في أفريقيا هو إلى حد ما خبر قديم ـ فالتربح من تصدير الموارد الطبيعية نمط قديم قدم الدهر ـ ولكن المنطقة تعتمد الآن أكثر من ذي قبل على الطلب الخارجي في استمرار نمو اقتصادها. وإن تنامي إجمالي الناتج الوطني في كثير من الدول الأفريقية الصغيرة يعزى جزئيا إلى الخيال الإحصائي وجزئيا إلى نمو حقيقي. ومع ذلك، فإن ما يمكن استخلاصه من أرقام إجمالي الناتج الوطني هو قليل للغاية فيما يتعلق بما حدث فعلا في أفريقيا، وعما إذا كانت ظروف الحياة تتحسن بالفعل في القارة أم لا.

نشر المقال أصلا في فورين أفيرز في 26 مايو 2013 ونشرت الترجمة في جريدة عمان صباح اليوم