الجمعة، 23 نوفمبر، 2012

بلورات رامبو



بلورات رامبو
جون آشبري

ما الإشراقات؟ هي في الأصل الأول حزمة أوراق مخطوطة بلا عنوان ولا ترقيم أعطاها آرثر رامبو لحبيبه السابق "بول فرلين" في اللقاء الأخير الذي جمع بينهما في شتوتجارت سنة 1875.
كان فرلين قد خرج لتوه من سجن في بلجيكا بعد قضائه عقوبة الحبس التي حكم عليه بها إثر إصابته شاعرا شابا بالرصاص في بروكسل قبل عامين. كان رامبو يريد من صديقه القاتل أن يقوم بتسليم تلك الورقات للصديق "جرمان نوفو" الذي (فيما كان يظن رامبو) سيقوم بالترتيب لنشرها.
هذا التصرف الطائش ـ تجاه ما سيصبح عما قريب من روائع الأدب ـ هو بلا شك موقف محير، حتى من شخص يصعب التنبؤ بتصرفاته مثل رامبو.
هل كان الأمر مجرد رغبة في توفير ثمن طوابع البريد؟ (فرلين سيشكو في رسالة لاحقة من أن الطرد كلفه "2.75 فرنكا في البريد"). الأرجح أن السبب في هذا التصرف هو أن رامبو كان قد قرر بالفعل هجران الشعر إلى حياة التجارة في أفريقيا حيث يتاجر في تنويعة مثيرة من البضائع (ليس بينها العبيد كما يظن البعض). ولكنه في نهاية المطاف كان قد رأى كتابه السابق "فصل في الجحيم" منشورا برغم أنه كان قد تركه مجرد كومة ورق لدى الناشر الذي لم يكن قادرا أن يدفع له. 
لقد كان رامبو قد رأى ـ مثل إيميلي ديكنسن ـ "رءوس الخيول تجاه الأبدية". في غنائية "الوداع" الختامية، وهي القصيدة الأخيرة في "فصل في الجحيم"، كان قد كتب يقول "والآن، في هذه الأثناء، هذه هي العشية. فلنفتح أذرعنا لطوفان القوة، والحنان الحق. وفي الفجر، مسلحين بالصبر الملتهب، سوف ندخل المدن الروائع".
بسبب هذه النبرة الوداعية، فضلا عن صعوبة تأريخ "الإشراقات"، افترض أوائل النقاد أن "فصل في الجحيم" هو وداع رامبو للشعر. إلى أن تبين أخيرا أن الإشراقات سبقت هذه القصيدة وأعقبتها أيضا. فقد كتبت بعض الإشراقات في لندن أثناء مقامه فيها مع فرلين، وكتبت بعضها في زيارة لاحقة للندن مع نوفو الذي قام بنسخ عدد منها، وبعض القصائد مؤرخ بتواريخ فترة تالية في فرنسا بعد مغامرة بروكسل المروعة. وليس هناك من شك في أن رامبو لم يكن الذي قام بترتيبها الترتيب النهائي.
تناقض الإشراقة الأولى ("بعد الفيضان") قصيدة "الوداع" في "فصل في الجحيم" برؤية عشق طازجة تعلو على "فكرة الفيضان". هنا، أرنب بري يتلو صلاته أمام قوس قزح من خلال شبكة عنكبوت، وأكشاك في السوق عامرة، وقوارض تبني، ودم ولبن يفيضان، وقهوة تنصب في فناجين، وفندق مهيب يقام وسط غمار من فوضى الجليد الطافي والليل القطبي. أو هو، بعبارة أخرى، السوق في وضعه المعتاد.
يعود الجليد القطبي في الإشراقة الأخيرة، إحدى أعظم القصائد على وجه الإطلاق. ها هنا جني ـ كائن يسوعي يعلو حبه الفائق على محاذير الدين المعتادة ـ يصل لينقذ العالم من "كل المعاناة الرنانة الجياشة في الموسيقى الحادة". ولكن على الرغم من هذا سوف تسود "أغنية الشقاء الصافية". فكيف يكون هذا؟ بحسب آندريه جوياو  ـ المحرر المشارك في طبعة جارنييه من أعمال رامبو التي اعتمدت عليها في إعداد هذه الترجمة:
هذا التعبير المذهل يشي بأن المستقبل لن يكون هادئا ولا سعيدا بحسب ما قد يوحي به انتفاء كل المعاناة، ولكن "الشقاءات الجديدة" سوف تتردد أصداؤها وتعلو في العيون على الشقاء الذي كانت الخرافة سببا فيه أو "المحبة" المسيحية الراهنة.
سوف يكون الجني إيذانا بعصر أشد حزنا ولكنه ينطوي على سعادة أشد حكمة، وأشد وعيا بما استشرفه "فصل في الجحيم"، وهو ما قد يرجع بدقة إلى التزام ذلك العمل بأن يكون "حديثا مطلق الحداثة".
ونحن نميل إلى نسيان أن "الشعر الحديث" مؤسسة جليلة. ولكن شعر النثر (وهو المصطلح الذي كان يسمي به رامبو ما يكتبه في الإشراقات) قد ظهر من قبل على يدي لوتريامون وبودلير، وقد ذكر رامبو لصديق له أثر أعمال الأخير على الجنس الأدبي كله. كما استخدم رامبو الشعر الحر في إشراقتين. ولكن، الحداثة المطلقة كانت بالنسبة له تتمثل بصفة أساسية في الاعتراف بآنية الحياة كلها، بآنية الظرف الذي يتغذى به الشعر في كل ثانية. لقد عفا على الذات الزمن. واشتهر عن رامبو قوله "إنما ’أنا’ شخص آخر" [بلغة آشبري: I is someone else وبلغة رامبو: Je est un autre].
ونرى في القرن العشرين، كيف تتعايش أشياء متعارضة الرؤى عند الرسامين التكعيبيين ، وكيف يتم التوظيف المتساوي لجميع النغمات في الموسيقى السريالية، وكيف تتحرك الأجسام دونما هيراركية في باليهات ميرسي كوبنهجاجن، وما تلك إلا أمثلة ثلاثة على هذا التزعزع الخصب. ولكن في موضع ما من جذور هذا الغياب الخلاق للاستقرار، يكمن خليط إشراقات رامبو البلوري، كنزا مشوشا من شرائح النور كل واحدة منها ـ بلغته هو ـ "حلم عاصف متوتر" لا تزال تنبعث منه النبضات. ولو أننا اليوم حديثون ـ ونحن كذلك ـ فما هذا إلا ما أمرنا به رامبو.

عن موقع مجلة شعر POETRY الأمريكية والترجمة نشرت اليوم في ملحق مرايا مع جريدة عمان