السبت، 13 يناير 2018

مشاحنات مصر والسودان تخيم على آفاق الاتفاق على سد النيل الكبير

مشاحنات مصر والسودان تخيم على آفاق الاتفاق على سد النيل الكبير
مجلة: فورين بوليسي ـ في 11 يناير 2018
بقلم: كيث جونسن
تخيم المشاحنات الدبلوماسية بين مصر والسودان بظلالها على النزاع قديم العهد على السد الذي تقيمه إثيوبيا على نهر النيل وتراه القاهرة خطرا يهدد وجودها.
حذر السودان رسميا يوم الخميس الماضي من تهديدات على حدوده الشرقية من جراء تجميع قوات مصرية وإريترية، كما تحركت مصر أيضا إلى مثلث من الأرض تتنازع عليه كل من القاهرة والخرطوم. وفي أواخر الأسبوع الماضي، استدعى السودان فجأة سفيره لدى القاهرة، فكان ذلك فصلا في المعركة التي بدأت الصيف الماضي بمقاطعات تجارية واحتدمت الأسبوع الماضي.
هذا الدم الفاسد في جوهره جزء من صراع إقليمي أكبر يضم مصر والعربية السعودية ودولا أخرى ضد ما تعتبره تدخلا من تركيا في المنطقة. لقد دعمت أنقرة قطر في معركتها الدبلوماسية مع دول خليجية أخرى، وها هي الآن تقفز مباشرة إلى البحر الأحمر، لتثير أعصاب مصر بصورة متزايدة. ولقد استشاطت مصر بصفة خاصة عندما زار الرئيس التركي رجب طيب إردوجان السودان في ديسمبر 2017 وفاز بحقوق في جزيرة سواكن، وهي مدينة وميناء على البحر الأحمر، مثيرا المخاوف من استطاعة أنقرة بناء قاعدة عسكرية هناك.
يزيد هذا النزاع الدبلوماسي من صعوبة التوصل إلى صفقة في مشكلة أخرى محتملة الانفجار في العلاقة: أي دعم السودان لبناء إثيوبيا سدا هائلا بقيمة خمسة بلايين دولارعلى نهر النيل بإمكانه أن يقلل إمدادات المياه الحيوية في أدنى النهر. ولقد وصف الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي السد بأنه "مسألة حياة أو موت".
قال كيسلي ليلي مساعد مدير مركز أفريقيا في المجلس الأطلنطي إن جميع الخصوم الإقليميين المحيطين بالبحر الأحمر متداخلون "لكن السد نفسه مصدر توتر كبير بين الدول الثلاث".
وفي حين أن الدول الثلاث بقيت على خلاف بشأن السد لسنين، فإن العداوة بين مصر والسودان تتصاعد بسرعة.
قال ستيفن كوك خبير شئون شمال أفريقيا والشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية إن "التوترات غير هينة وحقيقية وأعلى مما كانت، وهي في طريقها إلى أزمة".
لقد زاد النزاع الأوسع من تجمد المحادثات بين مصر والسودان وإثيوبيا حول كيفية إدارة آثار السد، برغم أن الوقت يتقدم. فقد اكتمل بناء السد بنسبة 60% ويمكن أن تبدأ إثيوبيا في ملء خزانه في صيف العام الحالي فلا تترك وقتا للتوصل إلى حلول عملية.
ومن شأن هذا الفعل كما قالت آنا كاسكاو خبيرة سياسات النيل المائية التي أسهبت في الكتابة عن السد "أن يكون صحوة سياسية تدعو إلى عمل فوري نحو قرار مشترك بشأن قضية ملء السد، لأن سنة 2019 ستكون سنة حاسمة".
كانت إقامة سد في أعلى النيل الأزرق في المرتفعات الإثيوبية حلما منذ ستينيات القرن الماضي. غير أن إثيوبيا لم تتخذ قرارا منفردا بالشروع في بناء سد النهضة العظيم ـ وهو أضحم مشروع مائي كهربائي في أفريقيا ـ إلا في عام 2011 حينما اهتزت مصر بسبب الربيع العربي وأخذت تواجه اضطرابات داخلية.
ومنذ ذلك الحين ومصر تخشى بشدة الآثار المحتملة. لقد كان القصد من إقامة السد كمشروع ضخم لإنتاج الطاقة في أعلى النيل الأزرق هو تلبية الاحتياجات الإثيوبية متسارعة النمو للمزيد من الكهرباء، وسوف يحتاج إلى احتجاز ما يوازي مياه عام كامل وراء جدرانه الخرسانية. ويتوقف تأثر مصر على مدى السرعة التي سوف تملأ إثيوبيا بها السد، بما يمثل خطرا مهلكا محتملا على مصر التي تعتمد على الزراعة التي تواجه بالفعل نقصا حادا في المياه.
قد تختار إثيوبيا ملء السد ببطء على مدار فترة تصل إلى 15 عاما، فيقلل ذلك من أي آثار على الماء في أدنى النهر وإن كان سيؤخر الاستفادة من السد. لكن إثيوبيا التي اهتزت بعام من المظاهرات المناهضة للحكومة بدأت في أغسطس 2016 وأدت إلى حالة طوارئ استمرت عشرة شهور قد لا تستطيع على الأرجح انتظار كل هذه الفترة حسبما قال ليلي.
قال ليلي إن "الحكومة الإثيوبية بحاجة إلى انتصار".
شجع السد على الحديث حول إجراء عسكري مصري في عام 2013، حيث هدد رئيس مصر آنذاك محمد مرسي أنه في حال إعاقة تيار الماء "فدماؤنا البديل". وفي أثناء إعلان السيسي هذا الأسبوع عن خطة بقيمة أربعة بلايين دولار لإقامة محطة تحلية توفر لمصر الماء العذب، تعهد بحماية حصة مصر في مياه نهر النيل.
لقد بدا أن الدول الثلاث نظمت الأمور في 2015 باتفاقية حول كيفية إدارة المشروع، ولكنها منذ ذلك الحين تبدو عاجزة عن الاتفاق على كيفية قياس آثار السد.
والآن يهدد تصاعد الصراع بين مصر والسودان بتدمير التعاون. فقد نقلت وسائل إعلام إثيوبية في مطلع يناير أن مصر سعت إلى تحييد السودان من المحادثات الخاصة بالسد، ومع أن مصر أنكرت تلك التقارير، فقد أزعجت الفكرة نفسها السودان.
والسودان دوره حاسم، لأنه يقع جغرافيا وسياسيا بين مصر وإثيوبيا. ومصر والسودان تقتسمان منذ زمن بعيد مياه النيل بينهما وفقا لشروط معاهدة 1959 التي لا تتضمن إثيوبيا. وباستخدام السودان قدرا أقل من نصيبه المنصوص عليه، فقد سمح على مدار سنين بتدفق قدر أكبر من نصيب مصر إليها فصارت تستعمل من الماء أكثر من حصتها المخصصة.
لكن السودان بدأ منذ سنين يستعمل جزءا أكبر من نصيبه رغبة في دفع قطاعه الزراعي. ولما كان السودان يأمل أن يستعمل السد في الري، فقد اقترب من إثيوبيا وصار مناصرا للمشروع. الأمر الذي يجعل من معاداة الخرطوم مقامرة خطرة بالنسبة لمصر حسبما قالت كاسكاو.
"لو خسرت مصر السودان ـ وهي البلد الوحيد الذي لديها اتفاق حصص مياه معه، والبلد النيلي الوحيد الذي يمكن أن يمثل تهديدا جسيما على تدفق المياه في أدنى النهر بسبب قدراته الكبيرة الكامنة في مجال الري ـ ففي ذلك خطر جسيم على مصر" حسبما قالت.
لم يرد المسؤولون في سفارات مصر وإثيوبيا والسودان على طلبنا لرأيهم.
وبرغم أن القضية تختمر منذ سنين، فإن مصر تجتنب التعامل مع آثار المشروع الحتمية على المدى البعيد حسبما قال كوك من مجلس العلاقات الخارجية، مكتفية بالتمسك بمعاهدة عمرها عقود تضمن لها نصيب الأسد من موارد النيل. ومصر تواجه بالفعل نقصا في المياه وقد تواجه قريبا "ندرة مطلقة في المياه" حسبما قال.
"مصر ليست لديها استراتيجية. وإنه لأمر يدعو للقلق أن يكون خيارهم الوحيد هو ’أعطونا الماء’".
ومما يزيد الأمر سوءا، فيما قال كوك، أن الولايات المتحدة ـ التي لا تزال غارقة في وفرة من المواقف غير المحسومة في وزارة الخارجية ـ غير قادرة على الوساطة في النزاع. "فما من حكم في الغرفة" على حد تعبير كوك.
قال مسؤول في الخارجية الأمريكية "إننا قلقون من تزايد التوتر على النيل ومستمرون في تشجيع البلاد على التعاون قدما في ما يتعلق بسد النهضة العظيم في إثيوبيا".

لكن قد يصعب على هذه الدول التوصل إلى طريق للتعاون في المستقبل القريب. فالانتخابات الرئاسية في مصر تبدأ في مارس بما لا يترك للقاهرة مجالا كبيرا في الوقت الراهن للتسويات السياسية لمثل هذه الموضوع الحساس.